يدخل القطاع البحري حقبة جديدة من التحول، مدفوعا بالتقدم المتسارع في مجالات الرقمنة والأتمتة والذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات الناشئة. ومن العمليات الملاحية على متن السفن والملاحة البحرية إلى السلامة والكفاءة والأداء البيئي، تعيد هذه التطورات رسم ملامح تشغيل السفن والكفاءات المطلوبة من البحارة. ومع استمرار تطور التكنولوجيا، يبقى العنصر البشري في صميم النقل البحري السليم والمستدام.
في هذا العدد من ربان السفينة، يبحث خبراء بحريون سبل تكيف البحارة مع بيئة تشغيلية تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا، وأهمية التدريب المستمر وإعادة صقل المهارات والتعلم مدى الحياة، إلى جانب دور ملاك السفن، ومؤسسات التعليم، والتدريب البحري، والجهات التنظيمية في دعم هذا التحول.
حقبة جديدة
في ظل التحول المتسارع الذي يشهده القطاع البحري بفعل الرقمنة، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الناشئة، يبقى العنصر البشري محور القوى العاملة. وفي هذا السياق، يقول الدكتور القبطان أسامة فوزي البيومي، وكيل كلية النقل البحري والتكنولوجيا لشؤون التعليم في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في مصر، إن القطاع البحري يدخل حقبة جديدة تعيد فيها الرقمنة والأتمتة والذكاء الاصطناعي واتخاذ القرارات المستند إلى البيانات تشكيل عمليات السفن والموانئ والخدمات اللوجستية العالمية بصورة جذرية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التقدم التكنولوجي، يبقى العنصر البشري حجر الأساس للسلامة البحرية، والمرونة التشغيلية، والتنمية المستدامة.
الدكتور القبطان أسامة فوزي البيومي
ويشدد الدكتور البيومي على ضرورة النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها عاملا مساعدا وليست بديلا عن الكفاءة المهنية. ففي حين تستطيع الأنظمة الذكية تحسين الملاحة والتنبؤ بأعطال المعدات وأتمتة المهام المتكررة، فإنها لا تستطيع أن تحل محل الحكم البشري واتخاذ القرارات الأخلاقية والقيادة والوعي بالموقف خلال الظروف المعقدة أو حالات الطوارئ.
ويضيف: "لن تتحدد ملامح القوى العاملة البحرية المستقبلية بالتكنولوجيا نفسها، بل بالمهنيين الذين يمتلكون الكفاءة اللازمة لإدارتها بمسؤولية وسلامة وابتكار."
العنصر البشري في صميم القطاع البحري
من المنظور التنظيمي، يؤكد Ismael Cobos Delgado، نائب مدير القسم الفرعي للسلامة التشغيلية والعنصر البشري في شعبة السلامة البحرية بالمنظمة البحرية الدولية، أن العنصر البشري كان وسيبقى دائما في صميم القطاع البحري.
ويضيف: "يواصل النقل البحري تحوله مع تطور التقنيات الجديدة والناشئة والمتقدمة، بما فيها الرقمنة والسفن السطحية البحرية ذاتية القيادة بصورة عامة، ومع ذلك، يستمر العنصر البشري في أداء دور حيوي في القطاع البحري، سواء على متن السفن أو على البر."
ويتابع بالقول أن النطاق الواسع للعنصر البشري وأهميته يجعلان منه مسؤولية مشتركة بين المنظمة البحرية الدولية بصفتها الجهة التنظيمية، والدول الأعضاء بصفتها الجهات المنفذة، والشركات الملاحية بصفتها الجهات التي توفر الموارد اللازمة وسياسات السلامة وثقافة السلامة، والبحارة بصفتهم الأفراد الذين يتولون التشغيل الفعلي للسفن. ويوضح أن هذا الالتزام يشمل أيضا وكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة، مثل منظمة العمل الدولية والجهات المكونة لها، بما فيها الشركاء الاجتماعيون من منظمات ملاك السفن ونقابات البحارة.
ويشير Delgado كذلك أن هذا هو السبب في اعتبار العنصر البشري توجها استراتيجيا ومبدأ شاملا في الخطة الاستراتيجية للمنظمة البحرية الدولية، إذ يوجه وضع المتطلبات الجديدة والقائمة وتنفيذها لضمان تشغيل السفن بطريقة سليمة ومؤمنة بيئيا.
من جانبه، يرى القبطان Dean Rajkumar، عميد كلية عمان البحرية الدولية التابعة للجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا، أن التكنولوجيا تغير قطاع النقل البحري، لكن الإنسان سيبقى دائما أهم أصوله.
القبطان Dean Rajkumar
ويتابع: "ينبغي للذكاء الاصطناعي والأتمتة دعم البحارة لا استبدالهم، فيما يبقى الحكم البشري، والقيادة، والعمل الجماعي، واتخاذ القرارات عناصر أساسية، ولا سيما خلال حالات الطوارئ."
ويؤكد كذلك أن القوى العاملة البحرية المستقبلية يجب أن تجمع بين المعرفة التقنية والمهارات البشرية القوية. وسيتحقق النجاح من خلال استخدام التكنولوجيا لتحسين السلامة والكفاءة والاستدامة، مع إبقاء الإنسان في صميم كل عملية.
القوى العاملة البحرية المستقبلية
مع تزايد اعتماد القطاع البحري على التكنولوجيا، يتطلب إعداد القوى العاملة المستقبلية على الجمع بين الكفاءة التقنية، والمهارات الرقمية، والتعلم المستمر، والقدرات البشرية القوية، إلى جانب التعاون الوثيق بين شركات النقل البحري ومؤسسات التعليم والتدريب البحري والجهات التنظيمية.
وفي هذا الإطار، يقول Delgado إن المنظمة البحرية الدولية تعمل بصورة مستمرة على ضمان استعداد البحارة لمواجهة الاتجاهات، والتطورات، والتحديات المتواصلة.
ويضيف: "تعيد التطورات في مجالات الرقمنة والأتمتة والتقنيات الناشئة تشكيل عمليات السفن والكفاءات المطلوبة من البحارة. وفي الوقت نفسه، تستدعي التطورات الاجتماعية اهتماما أكبر بالتنوع والمساواة بين الجنسين والمشاركة المتنامية للمرأة في القوى العاملة البحرية."
ويوضح: "تجري المنظمة البحرية الدولية حاليا مراجعة شاملة للاتفاقية الدولية لمعايير التدريب والنوبة وإصدار الشهادات للبحارة لعام 1978، المعروفة باتفاقية STCW، التي توفر الإطار العالمي لتدريب البحارة وإصدار شهاداتهم."
ويشير إلى أن هذه المراجعة، وهي المراجعة الشاملة الثالثة بعد تعديلات عامي 1995 و2010، لن تضمن فقط استمرار اتفاقية STCW كأساس للعمليات البحرية السليمة والمستدامة والمتمحورة حول الإنسان، بل ستضمن أيضا قدرة الدول الأطراف على تنفيذها بفعالية واتساق.
ويوضح كذلك أن المراجعة تهدف بصورة رئيسية إلى إصدار نسخة محدثة من اتفاقية ومدونة STCW تعكس التطورات التكنولوجية والمعايير الاجتماعية المتغيرة، وتضع البحارة في صميم السلامة البحرية.
ويقول: "تشمل المراجعة الشاملة المجالات المرتبطة بمعايير كفاءة البحارة، مثل التقنيات الناشئة وعمليات السفن بما فيها الرقمنة، وجودة التدريب، والسلامة النفسية والصحة العقلية، إلى جانب المجالات المرتبطة مباشرة بالتنفيذ الفعال للاتفاقية."
من جانبه، يقول القبطان Rajkumar إن بحارة المستقبل يحتاجون إلى المهارات التقنية والشخصية معا. ويجب عليهم فهم الأنظمة الرقمية، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنواع الوقود البديل. وفي الوقت نفسه، ينبغي لهم تعزيز مهارات القيادة والتواصل وحل المشكلات والتفكير النقدي.
ويعد التعلم المستمر أمرا أساسيا نظرا إلى التطور السريع للتكنولوجيا. وسيحافظ البحارة القادرون على التكيف وتعلم مهارات جديدة والعمل بثقة مع التقنيات الحديثة على قيمتهم المهنية طوال مسيرتهم.
بدوره، يقول الدكتور القبطان البيومي إن بحارة المستقبل سيحتاجون إلى مجموعة كفاءات أوسع بكثير من تلك التي احتاجت إليها الأجيال السابقة. ويشير إلى أن المعرفة التقليدية بالملاحة والهندسة وعمليات البضائع وإدارة السلامة تبقى أساسية، لكنها يجب أن تستكمل بكفاءات رقمية تدعم العمليات الحديثة للسفن.
ويوضح أن ضباط المستقبل ينبغي أن يطوروا خبراتهم في أنظمة البرج الملاحي المتكاملة، وتقنيات الأتمتة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والصيانة التنبؤية، والوعي بالأمن السيبراني، والامتثال البيئي، واتخاذ القرارات التشغيلية المستندة إلى البيانات.
Ismael Cobos Delgado السيد
مستقبل القطاع البحري
في معرض حديثه عن دور الشركات ومؤسسات التدريب والجهات التنظيمية، يصف القبطان Rajkumar هذه المهمة بأنها مسؤولية مشتركة. وينبغي لشركات النقل البحري توفير التدريب العملي على متن السفن وإتاحة الفرصة للتعامل مع التقنيات الجديدة، فيما يتعين على المؤسسات البحرية تحديث مناهجها بصورة منتظمة والاستثمار في أجهزة المحاكاة الحديثة. ويضيف أن الجهات التنظيمية يجب أن تضمن مواكبة المعايير الدولية للتغيرات التكنولوجية.
ويقول: "سيؤدي التعاون القوي بين القطاع، والأوساط الأكاديمية، والجهات التنظيمية إلى تزويد البحارة بالمهارات اللازمة لبناء مستقبل بحري سليم وفعال ومستدام."
ومن منظور المنظمة البحرية الدولية، يشير Delgado إلى تقرير نشرته الجامعة البحرية العالمية التابعة للمنظمة في يونيو 2026 بعنوان "المهارات الرقمية في التعليم والتدريب البحري: دراسة عالمية معمقة حول الأفراد والمهارات والاستعداد للتغيير"، خلص إلى أن القوى العاملة البحرية لا تواكب الوتيرة السريعة لاعتماد التقنيات الرقمية.
ويوضح أن التقرير، الذي أعد بتكليف من هيئة التصنيف البريطانية Lloyd’s Register ضمن برنامج الاتجاهات البحرية العالمية، وجد أن أكثر من 80 في المئة من البحارة المشاركين في الاستطلاع أفادوا بأنهم نادرا ما يتلقون تدريبا على المهارات الرقمية أو لا يتلقونه على الإطلاق، على الرغم من رغبتهم الكبيرة في التعلم.
ويشير Delgado أيضا إلى وجود فرص أمام جميع الأطراف المعنية لدراسة الإمكانات المتاحة في إطار مسؤولياتها الخاصة. ويقول: "يجب على جميع الأطراف المعنية التعاون والتنسيق بصورة دائمة، بدءا من المراحل الأولى للتطوير وصولا إلى التنفيذ الفعال للتقنيات والتدابير اللازمة لضمان دمجها في قطاع النقل البحري. ويشكل التعليم والتدريب شبكة معقدة يتعين على الجميع أداء دور فيها."
ويشدد الدكتور القبطان البيومي بدوره على أن إعداد الجيل المقبل من المهنيين البحريين يتطلب شراكة حقيقية بين القطاع والأوساط الأكاديمية ومزودي التكنولوجيا والجهات التنظيمية. ويقول إن شركات النقل البحري يجب أن تصبح شريكا فاعلا في التعليم من خلال تحديد متطلبات الكفاءة المستقبلية، وإتاحة الفرصة للتدرب على التقنيات الناشئة على متن السفن، ودعم تطوير المتدربين البحريين، والاستثمار في التعلم مدى الحياة لموظفيها.
استدامة المسيرات المهنية البحرية
مع استمرار التحول التكنولوجي في إعادة تشكيل القطاع البحري، تزداد أهمية المسائل المرتبطة باستدامة المسيرات المهنية البحرية على المدى الطويل وقدرة القوى العاملة على الحفاظ على ملاءمة مهاراتها لمتطلبات القطاع.
يشير القبطان Rajkumar إلى أن التكنولوجيا ستغير الوظائف، لكنها ستوفر أيضا فرصا مهنية جديدة. وفي هذا السياق، يشدد على ضرورة التركيز على إعادة صقل المهارات والارتقاء بها بدلا من استبدال الأفراد. ويقول: "سيساعد التطوير المهني المستمر والتعلم مدى الحياة والشراكات مع قطاع البحارة على الحفاظ على ملاءمة مهاراتهم". ويضيف أن الاستثمار في الأفراد اليوم سيضمن وجود قوى عاملة ماهرة قادرة على تلبية الاحتياجات المستقبلية للقطاع البحري، مع دعم استدامة فرص العمل والنمو المهني على المدى الطويل.
وانطلاقا من هذا المنظور، يشير الدكتور القبطان أسامة فوزي البيومي إلى أن التكنولوجيا ستحدث بلا شك تحولا في الوظائف البحرية، لكن التاريخ يثبت باستمرار أن الثورات التكنولوجية تعيد تشكيل المهن أكثر مما تلغيها. ويقول: "ستحد الأتمتة من الأنشطة اليدوية المتكررة، بينما ستزيد الطلب على مهنيين ذوي كفاءة عالية قادرين على الإشراف على الأنظمة الذكية وتفسير البيانات التشغيلية وإدارة المخاطر السيبرانية واتخاذ القرارات التشغيلية المعقدة."
وفي هذا الإطار، يرى أن الاستثمار الأكبر للقطاع يجب أن يوجه إلى إعادة صقل مهارات القوى العاملة والارتقاء بها، بدلا من تقليص أعدادها. ويتعين على المؤسسات التعليمية وأصحاب العمل وضع أطر للتعلم مدى الحياة تتيح للمهنيين البحريين تحديث كفاءاتهم طوال مسيرتهم المهنية. وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يقتصر التطوير المهني على المعرفة التقنية، بل يجب أن يشمل القيادة الرقمية، والاستدامة، وإدارة الابتكار، والتفكير المنظومي والتعاون متعدد التخصصات.
ويضيف قائلا: "يجب ألا يكون الهدف إعداد البحارة لسفن اليوم، بل إعدادهم للتعامل مع تقنيات ربما لم تدخل حيز الاستخدام الكامل بعد."
ومن المنظور التنظيمي، يوضح Delgado إلى أن النقل البحري يمر بمرحلة تحول، وأن استدامة القوى العاملة يجب أن تكون جزءا أساسيا من هذا التحول، لا أن تعامل باعتبارها نتيجة جانبية له.
وفي هذا السياق، يشير Delgado إلى المراجعة الشاملة الجارية لاتفاقية ومدونة STCW، التي يتوقع أن يكون لها أثر عميق ودائم في الإدارات الوطنية ومؤسسات التدريب والقطاع البحري والبحارة حول العالم.
ويبين أنه مع تنفيذ متطلبات التدريب وإصدار الشهادات المنقحة، سيكتسب البحارة الكفاءات التي يحتاج إليها القطاع بصورة متزايدة، ما يدعم استمرار قدرتهم على العمل وتقدمهم المهني، ومن شأنه أن يحقق تحسينات مستدامة في السلامة والمهنية والرفاه على امتداد القوى العاملة البحرية العالمية.
تكنولوجيا متمحورة حول الإنسان
في المستقبل، لن تعتمد العلاقة بين التكنولوجيا والقوى العاملة البحرية على قدرات التقنيات الناشئة وحدها، بل ستعتمد أيضا على مدى فاعلية دمجها مع الخبرة البشرية والكفاءة المهنية والظروف العامة التي تؤثر في المهنيين البحريين.
يشير القبطان Rajkumar إلى أن الذكاء الاصطناعي يحسن الملاحة والصيانة وكفاءة استهلاك الوقود ودعم اتخاذ القرارات، ما يجعل السفن أكثر سلامة وكفاءة. لكنه يشدد على أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يضعف المهارات العملية والتفكير النقدي إذا لم يدر بعناية.
ويقول: "قد تتغير بعض الوظائف الروتينية، لكن أدوارا جديدة ستظهر في مجالي العمليات الرقمية وإدارة البيانات. وينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تدعم الخبرة البشرية، لا بديلا عن البحارة المحترفين."
ويقول الدكتور القبطان أسامة فوزي البيومي إن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أبرز التطورات التكنولوجية التي تؤثر حاليا في قطاع النقل البحري العالمي.
ويضيف: "تدعم تطبيقاته بالفعل تحسين الرحلات، والصيانة التنبؤية، وتخطيط البضائع، وخفض الانبعاثات، وتخطيط المسارات وفق الأحوال الجوية، والمراقبة الذاتية، وتقييم المخاطر والأتمتة الإدارية. وتحسن هذه القدرات الكفاءة التشغيلية، مع دعم نقل بحري أكثر سلامة واستدامة من الناحية البيئية."
وفي الوقت نفسه، يشدد الدكتور القبطان البيومي على أن الذكاء الاصطناعي يطرح أيضا تحديات مهمة مرتبطة بالعامل البشري. وقد يؤدي الاعتماد المفرط على الأنظمة المؤتمتة تدريجيا إلى تراجع الكفاءة اليدوية في مناولة السفن والحكم الملاحي والمهارات العملية لحل المشكلات، إذا لم تحافظ برامج التدريب على الكفاءة التشغيلية.
ومن منظور Delgado، يتمثل أحد التوجهات الاستراتيجية للمنظمة البحرية الدولية في "دمج التقنيات الجديدة والناشئة والمتقدمة في الإطار التنظيمي"، ما يعني موازنة فوائد هذه التقنيات مع اعتبارات السلامة، والأمن البحري، والأمن السيبراني، والبيئة والتجارة، إلى جانب تأثيرها في العاملين على متن السفن وعلى البر.
ويقول: "يساعد هذا التوجه الاستراتيجي، إلى جانب اعتبار العنصر البشري مبدأ شاملا في الخطة الاستراتيجية للمنظمة البحرية الدولية، على ضمان الدمج الكامل والمتسق للتطورات التكنولوجية والعنصر البشري في مختلف أعمال المنظمة، بما يدعم تحولا شاملا."
ويضيف أن دور قطاع النقل البحري، ولا سيما الشركاء الاجتماعيين، يعد أساسيا بصورة مطلقة. وستحدد مشاركتهم، سواء في صياغة القواعد أم في التشغيل اليومي للسفن، ما إذا كان التقدم التكنولوجي سيعزز العنصر البشري أو يضعفه. ويعد ضمان إيلاء هذه المسائل الجوهرية الاهتمام الكامل أمرا لا غنى عنه لتحقيق تحول شامل ومستدام بالفعل.
مرحلة أولية
مع استمرار القطاع البحري في دمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، سيعتمد المستقبل بصورة متزايدة على مدى فاعلية تعاون التكنولوجيا والخبرة المهنية لتعزيز السلامة والكفاءة ومرونة القوى العاملة البحرية.
يشير Ismael Cobos Delgado إلى أنه لا يزال من المبكر تقييم التأثير الإيجابي أو السلبي للذكاء الاصطناعي في قطاع النقل البحري والبحارة. ويشدد على أن الذكاء الاصطناعي أداة قوية، ومثل جميع الأدوات، يجب تقييمه بعناية لتحديد المجالات التي يمكنه فيها تحسين الكفاءة. ويضيف أن الأفراد يحتاجون إلى المهارات والثقة لاستخدام الأدوات الرقمية بفاعلية وتحقيق أقصى استفادة منها، وأن القطاع لا يزال، من المنظور التنظيمي، في مرحلة أولية للغاية.
ومن منظور القوى العاملة، يشدد القبطان Rajkumar على أن مستقبل النقل البحري سيبنى على التعاون بين الإنسان والتكنولوجيا. ويشير إلى أن الأدوات الرقمية ستحسن السلامة والكفاءة، لكن المهنيين المهرة سيواصلون اتخاذ القرارات النهائية.
ويؤكد القبطان Rajkumar كذلك ضرورة تعاون الحكومات والقطاع والمؤسسات التعليمية لتوفير تدريب عالي الجودة وفرص متكافئة وتعليم مستمر. ويشير إلى أن اتباع نهج متمحور حول الإنسان سيضمن استفادة القطاع والقوى العاملة البحرية معا من التقدم التكنولوجي.
وبالمثل، يتصور الدكتور القبطان البيومي قطاعا بحريا قائما على التعاون الذكي بين الإنسان والتكنولوجيا، بدلا من المنافسة بينهما.
ويوضح أن السفن والموانئ والأنظمة اللوجستية المستقبلية ستصبح أكثر ترابطا من خلال الذكاء الاصطناعي، والتوائم الرقمية، والتقنيات ذاتية التشغيل، والبيانات الضخمة، والمنصات التشغيلية المتكاملة. وفي هذه البيئة، ستصبح الخبرة البشرية أكثر قيمة، إذ سيتوقع من المهنيين الإشراف على الأنظمة المعقدة والتحقق من القرارات المؤتمتة وإدارة المخاطر والاستجابة بفاعلية للظروف غير المتوقعة.
ويقول: "يتطلب تحقيق هذا المستقبل الاستثمار في الإنسان قبل التكنولوجيا. ويجب على المؤسسات التعليمية مواصلة تحديث المناهج الدراسية وتوسيع قدرات المحاكاة وتعزيز الشراكات مع القطاع ودمج التحول الرقمي في جميع التخصصات البحرية."
وفي ملاحظاته الختامية، يشير الدكتور القبطان البيومي إلى أن القطاع البحري يدخل واحدة من أكثر المراحل تحولا في تاريخه. ويقول: "لا تستطيع التكنولوجيا وحدها بناء قطاع بحري مرن. فكفاءة المهنيين البحريين، ومهنيتهم، وقدرتهم على التكيف، وقيادتهم هي التي ستحدد مدى فاعلية تطبيق هذه الابتكارات لتعزيز السلامة والاستدامة والتميز التشغيلي."
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 103، يوليو/ سبتمبر 2026، لقاء بحري، ص.16 |






