بينما يبحر معظم العالم على وضعية "القيادة الذاتية"، يرسم جيل جديد من ملاّك السفن مسارا مختلفا، لا يقتصر على تشغيل السفن بكفاءة فحسب، بل يشمل أيضا الإبحار في قطاع تقليدي بطبيعته، وعالي التنظيم، ويشهد تطورا متسارعا.
في هذا العدد، تسلط مجلة "ربان السفينة" الضوء على الخبراء الشباب في القطاع البحري من خلال مشاركة تجاربهم، والدروس التي أسهمت في تشكيل أسلوب قيادتهم، والأولويات التي توجههم لاتخاذ قراراتهم في ما يتعلق بالقطاع البحري الديناميكي القائم.
مستقبل قائم على التجربة
لطالما ساهم كل من التعامل المبكر والتجارب الشخصية في تحديد النهج الذي يتبعه ملاّك السفن في القيادة. وفي هذا السياق، تقول رئيسة قسم العلاقات في شركة Sallaum Lines، السيدة نتالي سلوم إن النقل البحري فكرة رافقتها طوال حياتها، ولكن انخراطها بهذا المجال كان خيارا واعيا. وأضافت: "لقد ألهمني تأثير هذا القطاع على العالم على الرغم من المسؤوليات الهائلة التي تقع ضمن نطاقه. وقد أدركت على مر السنوات أن القيادة في قطاع النقل البحري اليوم لا تقتصر على التقاليد وحدها، بل على الانضباط، والمساءلة، والشجاعة لتحديث القطاع من دون التفريط بسلامة التشغيل".
نتالي سلوم
وأوضح المدير العام في شركة Pelagic Partners، السيد عاطف أبو مرعي، أنه نشأ في عائلة تعمل في قطاع النقل البحري، وهو يمثل الجيل الثاني، حيث اشترى والده أول سفينة قبل 30 عاما. تابع أبو مرعي قائلاً: "منحني ذلك فرصة استكشاف هذا القطاع في سن مبكرة، وعلى الرغم من تعدد الخيارات أمامي، اخترت قطاع النقل البحري لما له من تأثير ملحوظ، ولو كان هادئا، على الاقتصاد العالمي. فهو قطاع يعمل بعيدا عن الأضواء إلى حد كبير، لكنه يؤدي دورا حيويا في الحفاظ على الحركة عالميا".
أما بالنسبة إلى عبدالله بايزيد، الرئيس التنفيذي لشركة Florence Shipping & Trading ، فقد جمعت خبرته بين التعليم البحري الأكاديمي والخبرة القيادية العملية ضمن شركة عائلية عريقة في قطاع النقل البحري. تلقى تدريبه في اليونان، وشغل منصب كبير ضباط، ما منحه خبرة تشغيلية وفهما معمقا في إدارة الأساطيل. وخلال فترة توليه قيادة شركة Florence Shipping & Trading، التي تمتلك ثماني سفن تنشط في أسواق متعددة، استند عبدالله إلى إرث عائلته العريق في القطاع البحري، بينما نفّذ استراتيجيات عملية لتعزيز نمو الأسطول، وتحسين إدارة الخطوط الملاحية، وتبسيط العمليات التجارية.
عبدالله بيازيد
منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في موقع القيادة
مع بروز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كمركز بحري استراتيجي، تتبلور لدى ملّاك السفن الشباب رؤية واضحة لدورهم في التجارة العالمية، لا سيما في ما يتعلق بالمسؤوليات التي تقع على عاتقهم في صياغة المستقبل البحري للمنطقة.
ويؤكد الخبراء أن ذلك يبرز أهمية الحضور الإقليمي والاستمرارية التشغيلية، إذ لم تعد المنطقة مجرد ممر عبور، بل أصبحت مركزاً لاتخاذ القرار والاستثمار في مجالات النقل البحري، والطاقة، والخدمات اللوجستية.
يتولى ملاّك السفن الشباب أيضا مسؤولية الاستفادة من مرحلة النمو الإقليمي الاستثنائي هذه للارتقاء بعمليات القطاع من إقليمية متفرقة إلى منصات ذات تأثير دولي.
التحول الرقمي
ومع الدور الرئيسي الذي يؤديه كل من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة في حياة الجيل الجديد، ثمة خطوات واضحة ينبغي اتخاذها لنقل الإلمام والابتكار الرقميَين إلى قطاع النقل البحري. وفي هذا الصدد، تشير سلوم إلى أن المسألة تتعلق بالواقع العملي، وأن الأدوات الرقمية وُجدت لتسهيل عملية اتخاذ القرار بدلا من تعقيدها. وأضافت قائلة: "نحن نركز على وضوح البيانات، ومراقبة الأداء، والأتمتة التي تدعم الطواقم والإدارات بدلا من أن تحل مكان التدخل البشري. ويكمن الهدف في تحقيق الكفاءة، والوضوح، والاتساق في العمليات كافة".
ومن منظور آخر، يوضح السيد عاطف أبو مرعي: "لطالما تأخر قطاع النقل البحري في الاعتماد على التكنولوجيا مقارنة بغيره من القطاعات، وذلك بسبب طبيعته المجزأة وطول دورة حياة أصوله. وبما أننا من الجيل الأصغر سنا، يبدو استخدام الأدوات الرقمية أمرا طبيعيا وغير مثير للقلق. فخلال الفترة الماضية، عملنا على تقييم واختبار أنظمة قائمة على الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة استهلاك الوقود وتخطيط المسارات الملاحية، ما ساعد الطواقم والمشغلين في اتخاذ قرارات يومية أفضل أثناء رحلاتهم البحرية".
وأضاف أن هذه الأنظمة لا تزال في مراحلها الأولى لكن الاتجاه واضح، مؤكدا أن قطاع النقل البحري ما زال وسيبقى صناعة قائمة على العلاقات.
الإبحار في عصر الأتمتة
تتسارع وتيرة أتمتة السفن، لا سيما على مستوى الاستقلالية المتوقعة للأساطيل التجارية خلال العقد المقبل، وكيفية استعداد القطاع للتكيف مع هذا التحول. ويعتقد الخبراء أن الإشراف البشري سيبقى عنصرا أساسيا، وأن تحقيق رؤية الأتمتة الكاملة للعمليات لا تزال غير متوقعة.
علاوة على ذلك، مثلت الطواقم حجر الأساس في القطاع لآلاف السنوات، لذلك لا بد من الاستعداد من خلال الاستثمار في تدريبهم، وتعزيز الأمن السيبراني، ودمج الأنظمة بحيث تعزز التكنولوجيا السلامة والموثوقية بدلاً من أن تشكل مخاطر جديدة.
السلامة على قائمة الأولويات
يواجه قطاع النقل البحري تحديات رئيسية تشمل تلك المتعلقة بالسلامة، والاستدامة، والربحية، والامتثال للوائح البيئية. يعتقد أبو مرعي أن هذه القضايا غير منفصلة، بل أجزاء تابعة لمنظومة واحدة. ومع مرور الوقت، أصبح متأكدا من أن السلامة هي الحجر الأساس على كافة الأصعدة. فمن دون عمليات آمنة، تصبح الاستدامة نظرية، ويغدو الامتثال رد فعل وليس نهجا متأصلا.
وأضاف أبو مرعي: "في الوقت نفسه، تعلمت من خلال تجاربي أن الربحية هي شرط للاستمرارية. فيمكننا صب تركيزنا على جوانب مهمة عدة، ولكن إذا استمرت الشركة في هدر أموالها خلال فترات الركود، لا بد من مواجهة عواقب وخيمة".
ومن جانب آخر، أكد السيد عبدالله بايزيد أن السلامة ليست مجرد برتوكول، بل ممارسة يومية، إلى جانب الحفاظ على نهج قيادي متوازن يجمع بين الإشراف الصارم والمرونة العملية، ما يمكّن الشركة من التكيف بفعالية مع التحديات التشغيلية، وتقلبات السوق، والظروف غير المتوقعة، والحفاظ على مستوى الربحية، والكفاءة، والاستدامة التشغيلية طويلة الأمد في آن واحد.
أما بالنسبة إلى السيدة سلوم، فهي تؤكد على ضرورة منح الأولوية للسلامة: "لا يمكن تحقيق الاستدامة مع عدم وجود ثقافة سلامة راسخة. فإن تعدد خيارات السلامة يسهم في حماية الأفراد، والأصول، والسمعة. لذلك، تعد الاستدامة والربحية أمرَين ضروريَين يجب تحقيقهما معا. فإذا لم تكن الحلول الصديقة للبيئة مجدية تجاريا، لن تشهد توسعا. وإن التحدي الحقيقي يكمن في دمج الأولويات الأربع ضمن استراتيجية واحدة متكاملة".
تقليل انبعاثات الكربون على أرض الواقع
مع ازدياد ضرورة تقليل انبعاثات الكربون في قطاع النقل البحري، تتواصل النقاشات حول حلول الوقود أو التكنولوجيا الناشئة الأكثر جدوى بالنسبة إلى أساطيل ملاّك السفن. ويشير أبو مرعي إلى أن تقليل انبعاثات الكربون لم يعد نقاشا بعيد المدى، بل هو يؤثر على قيمة الأصول، وقرارات التأجير، وإمكانية الوصول إلى التمويل. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن إجماع على المسار المتعلق بالوقود الذي سيهيمن، إذ ينطوي كل خيار على مفاضلات بين التكلفة، والبنية التحتية، والسلامة، والجاهزية التنظيمية.
ومن منظور إدارة الأساطيل وتخصيص رأس المال، تشير سلوم إلى أن المرونة هي العنصر الأساس، مؤكدة أنه يجب تصميم السفن بطريقة تمكّنها من التكيف مع تطور تكنولوجيا الوقود، واللوائح ذات الصلة، وظروف السوق، بدلا من التقيد بافتراض طويل الأمد.
ومع التشديد على اللوائح البيئية وإدراج المنظمة البحرية الدولية (IMO) لمعايير أكثر صرامة، يعتقد الخبراء أن التنظيم البيئي أصبح ميزة دائمة في قطاع النقل البحري وليس تحديا مؤقتا، وأن ملاّك السفن الشباب يؤدون دورا مهما في دفع عجلة القطاع من خلال إثباتهم لإمكانية تحقيق الاستدامة والانضباط التجاري في آن واحد.
عاطف ابو مرعي
التطلع إلى المستقبل
مع التطور الذي سيشهده قطاع النقل البحري خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، يجب على ملاّك السفن الشباب اتخاذ قرارات استراتيجية اليوم للحفاظ على الصلة، والتنافسية، والمسؤولية التي تقع على عاتقهم في المستقبل. تقول السيدة نتالي سلوم إن قطاع النقل البحري سيتّسم بمستوى تنظيم أعلى، وشفافية أكثر، وسيصبح قائما على التكنولوجيا، ولكن ذلك وحده لن يضمن نجاحه.
وتابعت سلوم: "سيصبح للوضوح الاستراتيجي، وجودة الأساطيل، والحوكمة القوية أهمية أكثر من أي وقت مضى. وستحدد القرارات التي سيتخذها ملاّك السفن الشباب اليوم ما إذا كانوا مجرد مشغلي أصول، أو قادة لشركات قادرة على الصمود وجاهزة للمستقبل".
ومن ناحية أخرى، يوضح أبو مرعي: "نحن نتجه نحو مرحلة لم نشهدها منذ فترة طويلة، مليئة بدفاتر طلبات من المقرر أن تدخل السوق، بالتزامن مع تخريد واسع للسفن القديمة. سيؤدي ذلك إلى تغييرات في تركيبة الأساطيل وهياكل التكاليف، وسيشكل عقبات للدخول مقارنة بالمراحل السابقة، لن تكون مالية فحسب، بل مدفوعة أكثر باللوائح التنظيمية، ومعايير الامتثال الأكثر صرامة، ومتطلبات "اعرف عميلك"، وغيرها من شروط التمويل الأكثر تشدداً."
ويختتم بالقول إن التحدي أمام ملّاك السفن الشباب اليوم لا يكمن في النمو فحسب، بل في الحفاظ على الانضباط، ما يعني تعزيز الميزانيات العمومية، والاستثمار المسؤول في كفاءة الأسطول، والاستثمار في الأشخاص ذوي الكفاءة، وبناء منصات تجذب رؤوس أموال طويلة الأمد بدلاً من المضاربات قصيرة الأمد. وإذا تم ذلك بشكل صحيح، تصبح الاستدامة نتيجة لحسن تخصيص رأس المال والانضباط التشغيلي، وليس مجرد شعار. وتابع: "كما تعلمت مبكراً، فإن النقل البحري لا يكافئ السرعة، بل يكافئ القدرة على الصمود".
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 101، يناير/ مارس 2026، لقاء بحري، ص. 12 |







