تحية بحرية،
سؤال بسيط يتبادر إلى ذهني في كل مشاركة لي بأي مؤتمر أو معرض متعلق بصناعة النقل البحري تستضيفه المنطقة، وهو:
كيف بدأت بشكل عام حكاية المعارض وهذه الأحداث المزدحمة التي تشغل مجتمع النقل البحري؟ ومن هو صاحب هذه الفكرة الجامعة والذكية التي أمست تقليدًا متبعًا في كل القطاعات والصناعات؟
في بحثٍ أولي، يتبيّن أن تاريخ البشرية ممتلئ بالإشارات إلى الفعاليات المختلفة التي كانت تُقام، لكن ليس في سياق منظّم ومؤسساتي، بل كجزء من الحياة الاجتماعية اليومية على امتداد التاريخ.
فالبدايات المنظَّمة والمُوثّقة للمعارض تعود إلى معرض أُقيم في مدينة وندسور الكندية عام 1765، وهو لا يزال يُقام حتى يومنا هذا. أما اللافت، وفقًا للمراجع التاريخية، فهو أن منطقة شرق المتوسط، وتحديدًا مدينة صور اللبنانية، كانت حافلة بالأحداث التجارية والدينية، والأعياد والمهرجانات، لا سيما في القرن الخامس قبل الميلاد.
وحتى الكلمة الإنجليزية Fair التي تعني “معرض”، تعود في أصلها إلى الكلمة اللاتينية Feria التي تعني “اليوم”، والمكان الذي كان يتجمع فيه الناس للعبادة في معابد متمركزة بمناطق نمت نتيجة التواجد الكثيف لهؤلاء القادمين لممارسة شعائرهم الدينية. ومع الوقت، تحوّلت هذه المناطق إلى مدن تضم مراكز وأسواقًا تجارية محورية تستقطب مختلف شرائح المجتمع.
وبما أن عالمنا العربي يتمتع بموقع استراتيجي حيوي يتحكم بمسارات التجارة البحرية المؤثرة بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، وباعتباره سوقًا طبيعيًا وملتقىً واسعًا ومعرضًا شاملًا ومؤتمرًا دائمًا لمختلف النشاطات والصناعات، ومنها البحرية والمرتبطة أيضًا بصناعة النفط والغاز، فقد جذب هذا الواقع منظمي العديد من المعارض والمؤتمرات الدولية لإقامة فعالياتهم في منطقتنا.
وهذا أمر إيجابي من حيث المبدأ، إذ يدل على أهمية التعريف والتسويق والترويج لأنشطة ومنتجات ومشاريع الشركات البحرية والقطاعات المرتبطة بها.
إلا أنه، وبصراحة، وكما عبّر عن ذلك العديد من كبار العاملين في صناعة النقل البحري، فقد زاد الأمر قليلًا عن حده الطبيعي. فازدحام مواعيد الفعاليات البحرية قلّل من وهجها، وأصبحت العديد منها دون المستوى المطلوب، سواء من حيث نوعية أو عدد الزوار، الذين تشتتوا بين هذه الأحداث واحتاروا إلى أين يذهبون.
بل إن بعضهم أصابه الملل من تكرار المشاهد والمواضيع نفسها التي تُطرح وتُناقش عامًا بعد عام في المؤتمرات، دون أن يكون لها أثر فعلي ملموس على أرض الواقع.
وبالطبع، لا يمكن القول إن جميع الفعاليات التي تستضيفها المنطقة دون المستوى، إلا أن الواقع يستدعي إعادة النظر في طبيعة هذه الأحداث، حتى لا تتحول إلى مجرّد مناسبات تجارية مادية صِرفة.
لا بد من وجود مرجع أو جهة تنسيقية تحدد مواعيد وأنواع هذه الفعاليات، والفئات والأسواق المستهدفة، وتمنع التنافس السلبي بينها. وإلا فُقد المعنى الحقيقي لهذه المؤتمرات والمعارض، وأصبحت أشبه بعروض هوليوودية من حيث المشاهد والإخراج، يكون الهدف الأساسي منها جني المال من جيوب مؤسسات وشركات تعاني أصلًا من ظروف صعبة، وتحتاج إلى أساليب ترويج وتسويق أكثر إنصافًا مما نراه ونسمعه اليوم.
إن تنظيم هذا السوق لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية، وإلا فإننا متجهون نحو سوق شعبي بامتياز.

