تحية بحرية...
كانت أمامنا مواضيع متعددة تستحق أن تكون كلمة هذا العدد، لكن محاولة الكتابة لأي من هذه المواضيع لم يكتب لها النجاح أمام عنوان منافس طاغ فرض نفسه بقوة على المشهدين البحري والاقتصادي، وتجاوز تأثيره حدود النقل البحري ليصيب التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد في العالم بأسره.
هذا المضيق، الذي يمتد الجدل حتى إلى أصل تسميته بين العربية والفارسية، يعود تاريخه إلى أكثر من خمسة آلاف سنة. وعلى ضفتيه تعاقبت حضارات وازدهرت تجارة واندلعت صراعات وحروب من العصور القديمة إلى مملكة حملت اسمه بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، وسيطرت على التجارة عبر الخليج، ومن ثم سيطرة برتغالية ثم بريطانية، وصولا إلى أيام، لم تخلو من بعض المناوشات، لكنها بقيت محكومة بقواعد القانون الدولي، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي كرست حرية الملاحة عبر المضائق من خلال المرور العابر، ومنعت الدول المطلة على أي مضيق دولي من إغلاقه أمام الملاحة الدولية، حتى وقعت الواقعة في نهاية فبراير الماضي.
منذ ذلك الوقت، دخل قطاع النقل البحري في حالة طوارئ لا زالت تداعياته مفتوحة حتى لحظة إعداد هذا العدد، وحتى لو توقفت الحرب خلال طباعة العدد، سيحتاج القطاع لشهور قد تصبح عام أو أكثر قبل أن تتضح ملامح النظام الذي سيحكم الملاحة في مضيق هرمز في المرحلة المقبلة.
النتائج كانت قاسية ومباشرة حيث آلاف السفن تأثرت بدرجات متفاوتة داخل الخليج وحوله، مع أكثر من 20 ألف بحار عالق على متن سفن وجدت نفسها محبوسة داخل الخليج العربي، خطوط شحن توقفت أو خفضت خدماتها وموانئ أقفلت ومن ثم عادت جزئيا للعمل، فوضى في توصيل البضائع عبر كل وسائط النقل إلى مقصدها النهائي، ظهور مسارات بديلة برية وبحرية عبر موانئ ومراكز لوجستية خارج الخليج، من الهند وباكستان إلى الإمارات وعمان والسعودية ومصر والأردن، في محاولة للحفاظ على تدفق البضائع إلى أسواق الخليج، ولو بكلفة أعلى وسعات أقل.
وكان للنفط النصيب الأكبر من التأثير العالمي، مع ارتفاع سعر برميل النفط الخام بنحو 50%، ما أدى إلى زيادة مطردة في كلفة الإنتاج والشحن والتأمين في مختلف الصناعات التي تعتمد على النفط ومشتقاته، حيث انعكس ذلك في ارتفاع أجور الشحن، والأمر ما زال مفتوحا على كل الاحتمالات مع عدم الوصول إلى حلول مستدامة ونهائية. وعليه فقد ثبتت حقيقة أن أمن الطاقة لا يزال رهينة هذا الممر الحيوي.
كما أظهرت الأزمة القيمة الاستراتيجية المتزايدة لأنبوب النفط السعودي الممتد من الخليج العربي حتى البحر الأحمر الذي تصل قدرته الاستيعابية إلى 7 مليون برميل يوميا والخط الإماراتي الممتد من ابوظبي إلى الفجيرة الذي تصل قدرته الاستيعابية إلى 1.5 مليون برميل يوميا. وتشير المعلومات الى قيام الامارات ببناء خط اخر لمضاعفة هذه القدرة.
الدروس التي أفرزتها هذه الأزمة كثيرة، وبعضها لم يظهر كاملا بعد، لكن الواضح منذ الآن أن دول الخليج مطالبة بقراءة ما جرى بعمق وتحليل كل ما حدث ووضع خطط مستدامة ومرنة للاستيراد والتصدير في حالات السلم كما في زمن الأزمات، لتأمين انسيابية البضائع على مختلف أنواعها خاصة مع توجهها ومنذ فترة إلى تنويع مصادر الإنتاج واعداد الخطط وتنفيذها لعصر ما بعد النفط.
يبقى الأمل في عودة الاستقرار سريعا، وفي ترسيخ تعاون عربي أكثر فعالية، لأن أمن الممرات البحرية لم يعد شأنا منفصلا عن أمن الدول واستقرارها الاقتصادي.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 102، أبريل/ يونيو 2026، كلمة العدد، ص. 7 |


