تحية بحرية
نستمع في الكثير من المؤتمرات ونقرأ في الكثير من الدراسات والمقالات عن الأزمة العالمية لتوفر البحارة خلال السنوات القليلة الماضية، وعندها أفكر في الكثير من خريجي المؤسسات التعليمية البحرية القابعين دون عمل، في مختلف دول عالمنا العربي.
فقد قدرت البحوث التي أجراها مجلس البلطيق البحري الدولي (BIMCO) والاتحاد الدولي للنقل البحري (ISF)، أنه إذا ما استمر الاتجاه الحالي على هذا المنوال، سيصل النقص في الملاحين إلى 40 ألف ضابط بحري، وهذا رقم مخيف. بكلام آخر إذا اعتبرنا أنه هناك ما معدله ستة إلى سبعة ضباط على كل سفينة، فهذا سيوصلنا إلى وجود حوالي 5 آلاف سفينة من دون ضباط في المستقبل!
أما المجلس الدولي للعمال البحريين (IMEC)، فقد أشار إلى أن حجم النقص أكبر من المستوى الذي ذكرته BIMCO وISF، حيث قدّر المجلس بأنه سيكون هناك عجز سنوي بنسبة 10% في عدد البحارة المطلوبين، أي أن الرقم مرشح للزيادة.
الأمر الآخر الملفت، هو أن الشركات الملاحية الأوروبية تبحث عن أكثر من 10 آلاف بحار إضافي لتشغيل السفن التي هي حاليًا تحت البناء، وذلك نتيجة نقص اهتمام شبابهم بالعمل على السفن، وصرفت الملايين على الإعلانات التلفزيونية في بريطانيا ومختلف البلدان الإسكندنافية لترغيب الشباب بالعمل بهذا القطاع، حتى وصل الأمر بالسلطات الإسكتلندية إلى تنظيم أيام ميدانية على متن السفن للطلاب، أما شبابنا من مصر إلى سوريا وهما خزان كوادر النقل البحري العربي، فالكثير منهم إما يقبعون بدون عمل أو ضحية للشهادات المزورة التي تفقدهم المصداقية.
ويجري استكشاف مصادر جديدة للقوى العاملة بطريقة مؤقتة من قبل العديد من المنظمات الدولية في أماكن مثل إندونيسيا وفيتنام والمكسيك، ويتواصل الاستثمار في البحارة الصينيين، وبالطبع لا نحتاج لكثير من الذكاء لندرك أن البحارة العرب غير موجودين في قاموس هذه المنظمات الدولية. وعليه ستبقى الفلبين، والهند، ودول الاتحاد السوفييتي السابق المورد الرئيسي لبحارة السفن.
والآن ماذا نفعل؟ هل تقع المسؤولية على حكوماتنا العربية لعدم الترويج للشباب البحري العربي، أم على المؤسسات التعليمية البحرية العربية التي يجب أن تساهم في إيجاد فرص عمل للبحارة بعد تخرجهم، أم على الشركات الملاحية العربية التي لا تستثمر في الكادر العربي وتقوم بتطويره وبنائه من الرتب الدنيا ليستمر ويترقى باتجاه المراكز القيادية العليا على السفن، أم يقع اللوم على البحارة أنفسهم الذين لا يلتزم الكثير منهم بعقودهم ويقومون بأعمال وتصرفات ليست على قدر المسؤولية ما ينعكس على سمعة كل البحارة العرب.
نحتاج للتكاتف والعمل يدًا بيد، أقله في كل دولة، وإيجاد خطة عمل موحدة شاملة تحدد مهام كل حلقة من حلقات صناعة الموارد البشرية العربية وترفع من مستوى السمعة والعدد الوفير من البحارة والضباط القابعين في منازلهم، ليصبح الضباط العرب على القائمة الدولية للكفاءات البحرية عبر برامج توظيف ملزمة تقيّم البحارة وتحافظ على المحترفين منهم. تحسين الوضع لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال هذه الجهود المشتركة.

