تحية بحرية
من شاهد فيلم «كابتن فيليبس» الذي عرض مؤخرا في صالات السينما؟ أظن الكثيرين منكم، فهو من الأفلام السينمائية القليلة التي تطرقت إلى عالمنا المجهول... السفن، التي أعتقد أنها تستحق أن تكون دائما في صدارة الأعمال السينمائية، كما غيرها، وليس فقط عند حدوث كوارث.
وفي قراءة بسيطة، نجد أن على رأس هذه الأفلام البحرية، فيلم «التايتانيك» الذي تم تمثيل قصته من خلال عدة سيناريوهات وأفلام مختلفة على مدار سنوات القرن الماضي. كما ظهرت أفلام أخرى إلى جانب «التايتانيك» تمحور معظمها، إن لم نقل كلها، حول سفن الركاب وبعض الأحداث الدرامية التي تحدث على متنها.
أما «كابتن فيليبس» فقد كسر القاعدة وتحدث عن أمر مؤثر بشكل كبير على قطاع النقل البحري، ألا وهو «القرصنة» التي لا تزال تمارس نشاطها ليس في الصومال فحسب، بل في مختلف بحار العالم.
وعلى الرغم من عامل التشويق والإثارة الكبير الذي يثيره هذا الفيلم، بعد تصويره على متن سفينة شقيقة، غير Maersk Alabama، إسمها Alexander Maersk جنوب جزيرة مالطا، إلا أنني شعرت في بعض المشاهد أن مخيلة كاتبه قد سرحت قليلا عن واقع ما قد يحدث فعلا على السفن، حيث لا يحسد نهائيا أي ملاح على التواجد في هكذا ظرف.
وبعد إجراء بحث صغير حول حقيقة ما حدث فعلا، وما تم تخيله، ظهرت أمامي بعض المفارقات العجيبة.
ففي الفيلم، شاهدنا كمين الزجاج المكسور الذي وضع على مدخل غرفة المحركات للإيقاع بالقراصنة، والتي كان الطاقم يختبئ فيها، إلا أن الحقيقة أن كبير المهندسين استطاع الإيقاع بأحد القراصنة في غرفة المحركات من خلال «مطوة»، ومن دون الكمين المذكور!
أما مبلغ الثلاثون ألف دولار الذي عرض حقيقة على القراصنة ورفضوه بحجة أنه ضئيل، وبالرغم من أنهم أخذوه معهم على قارب النجاة، لكن هذا المبلغ لم يعثر عليه أبدا بعد عملية الإنقاذ.
حتى بقاء الكابتن فيليبس في قارب النجاة استمر فعليا لخمسة أيام بينما صور في الفيلم على أنه يوم ونصف.
وفي سياق مواز، أوحت «هوليوود» بأن الربان قد افتدى بحياته مقابل عدم التعرض لطاقمه، وهو أمر آخر مجافي للواقع، فالطاقم الفعلي يرى أن فيليبس وقع ضحية صفقة تبادل فاشلة مع القراصنة، ولم يعتبروه بطلا على الإطلاق، بل على العكس تماما، حيث رفع الطاقم دعوى على شركة Maersk والشركة المستأجرة لسفينة الحاويات Maersk Alabama، بقيمة 50 مليون دولار بسبب «الإهمال المتعمد، والوحشي على سلامتهم»، كون تهور فيليبس أدى إلى إبحار السفينة في منطقة مليئة بأعمال القرصنة، خاصة أنه تجاهل العديد من المراسلات التي تنصح بالمحافظة على مسافة لا تقل عن 600 ميل بحري من البر الصومالي، بينما كانت السفينة على بعد 300 ميل بحري فقط.
وقد اعترف فيليبس بهذا الأمر خلال المحاكمة، حتى أنه وفي إحدى مراسلاته مع زوجته اعتبر أن 600 «وحتى 1200 ميل بحري لن تجعلننا آمنين»، وأكد أنه لا يعتبر نفسه بطلا بالرغم من الإعلام، وكتابه، والفيلم الذين أظهروه بطلا تاريخيا خاطر بحياته لإنقاذ طاقمه.
باختصار، يعتبر «كابتن فيليبس» فيلم جيد، مشوق، وأحداثه تلقى الضوء على عالمنا البحري، علّ الجميع يشعر بما يعانيه الملاحون خلال الإبحار في مناطق القرصنة، وما تقدم يشير بوضوح إلى أن التاريخ مليء بأحداث مشوهة، أبطالها ليسوا بأبطال، لكن العالم يستمر بصنعهم وتقديمهم ليكونا مثالا يحتذى بهم، فنحن دائما بحاجة للرمز والقدوة والمرجع ولدينا الآن الكابتن فيليبس.

