تؤكد هيئة التصنيف اليابانية ClassNK أن التحديث المستمر يُعد عاملاً أساسياً لضمان الحفاظ على فعالية نظام إدارة الأمن السيبراني للسفن كإطار عملي لإدارة المخاطر السيبرانية والحد منها.
لقد سلطت الهجمات على السفن التجارية في مطلع عام 2026 الضوء على المخاطر المباشرة التي تواجه البحارة والأصول البحرية، غير أن القطاع البحري شهد عالميا هجمات سيبرانية متزايدة في العام الماضي.
فقد أشارت شركة Cydome المتخصصة في مجال الأمن السيبراني البحري إلى ارتفاع بنسبة 150% في حوادث الأمن السيبراني المرتبطة بالتقنيات التشغيلية البحرية في العام الماضي، تضمنت 87% منها هجمات برمجيات الفدية. وفي الوقت نفسه، أفادت شركة Crowdstrike الرائدة في مجال الأمن السيبراني بأن القطاعات العالمية تشهد ارتفاعاً بنسبة 89% في الهجمات التي ينفذها خصوم مدعومون بالذكاء الاصطناعي من خلال تنفيذ الهجمات المتكررة تلقائياً على الأنظمة لمضاعفة فرص نجاح الاختراق.
تحديد المخاطر والتصدي لها
بالتوازي مع ذلك، لم يعد استخدام تقنيات تزييف إشارات GPS والتشويش عليها، وتأثيرها على سلامة أنظمة الملاحة، يقتصر على المهربين، القراصنة، والإرهابيين فحسب، بل الدول المنخرطة في النزاع أيضاً.
ومع تزايد التنسيق بين السفن واندماجها الرقمي أكثر من أي وقت مضى، بات من الضروري ضمان موثوقية بيانات تحديد المواقع وإمكانية تفسيرها كمصدر بيانات أساسي يدعم متطلبات السلامة والامتثال التنظيمي، وإجراءات العناية الواجبة المرتبطة بالعقوبات، واستجابات التأمين، وإدارة المخاطر المتعلقة بالسمعة، وليس فقط بالملاحة.
إدارة استباقية للأمن السيبراني
كما أن التوسع في استخدام أدوات إنترنت الأشياء وتطور العمليات ذاتية التشغيل يفرضان ضرورة توفير إدارة منظمة واستباقية للأمن السيبراني تحمي كامل سطح الهجوم للسفينة، بدءاً من الشبكات على متنها وصولاً إلى أنظمة الملاحة والتحكم بالمحركات والاتصال مع البر.
وتبقى الحماية المستمرة، واتباع نهج متسق، وأخذ الحذر عناصر أساسية للحفاظ على مبادئ الأمن السيبراني المتمثلة في تحديد المخاطر، والحماية منها، والكشف عنها، والاستجابة لها، والتعافي منها. إلا أن الانتشار السريع للتهديدات وتطورها يتطلب أيضاً تحديثاً دائماً لجميع وسائل الدفاع.
تقدم عمر السفن
كما تتضح أهمية ذلك بشكل خاص في ظل تقدم عمر الأسطول العالمي. فقد أشارت أحدث بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى وجود 112,500 سفينة ضمن الأسطول العالمي في يناير 2025. وباحتساب الحمولة الإجمالية، ارتفع متوسط عمر السفن بنسبة 3.2% خلال عام 2024 ليصل إلى 12.6 سنة. أما من حيث عدد السفن، فقد بلغ المتوسط 22.2 سنة، أي بزيادة قدرها 1.8% مقارنة بعام 2024، ضمن أسطول عالمي كان قد ازداد متوسط عمره بالفعل بثلاث سنوات خلال الفترة الممتدة بين عامَي 2013 و2023.
وسيستمر جزء من هذه السفن المتقدمة في العمر في إطالة عمر أنظمة التقنيات التشغيلية التي لم تُصمم للعصر الرقمي، والتي تعتمد على برمجيات قديمة قد لا يكون من الممكن تحديثها أو إصلاحها.
وفي الواقع، قد يفسر القائمون على إدارة السفن القديمة غياب طلبات المساعدة على أنه مؤشر على سلامة الوضع، بينما قد تكون الحقيقة أن الطواقم تتحمل عبئاً إضافياً لمحاولة تشغيل أنظمة متقادمة قد لا تكون قادرة حتى على اكتشاف الهجمات السيبرانية، ناهيك عن الاستجابة لها.
وأصبحت الشهادات الصادرة عن جهات خارجية، والتي تقيم نقاط الضعف السيبرانية لدى مالكي السفن وتوفر إجراءات رسمية لضمان المرونة السيبرانية، ذات أهمية متزايدة لتمكين المالكين من التأكد من امتلاكهم دفاعات فعالة في مواجهة التهديدات السيبرانية البحرية المتصاعدة.
الاستجابة الرسمية/التنظيمية
تماشياً مع متطلبات تقييم المخاطر السيبرانية التي اعتمدتها المنظمة البحرية الدولية، نشرت هيئة التصنيف اليابانية ClassNK في عام 2019 مبادئ توجيهية شاملة لشهادات الأمن السيبراني تهدف إلى الحد من المخاطر السيبرانية في كل من تقنيات المعلومات والتقنيات التشغيلية، وذلك بالاستناد إلى مزيج من الضوابط المادية، والتقنية، والتنظيمية. ويتطلب النهج متعدد المراحل وضوحاً ليس فقط بشأن ما يجب القيام به، بل أيضاً بشأن الجهة المسؤولة عن التنفيذ.
وقد قدمت هيئة التصنيف اليابانية لاحقاً مبادئ توجيهية موسعة بشأن المتطلبات الموحدة E26 وE27 الصادرة عن الرابطة الدولية لهيئات التصنيف فيما يتعلق بالمرونة السيبرانية لأنظمة السفن والسفن نفسها. كما طورت نظام إدارة الأمن السيبراني للسفن (CSMS) كإطار عملي لإدارة المخاطر السيبرانية على متن السفن، والتخفيف والحد منها.
ويخضع نظام CSMS للمراجعة المستمرة والتحديث، حيث تتضمن آليته تقييم ضوابط الأفراد والعمليات، وتستند الشهادة إلى تدقيق سياسات وإجراءات الأمن السيبراني لدى الشركة وخطط الاستجابة للطوارئ، إضافة إلى إجراء تقييم شامل لمخاطر الشبكات على متن السفن. وتؤكد شهادة نظام CSMS وجود أنظمة إدارة تضمن الجاهزية التنظيمية على مستوى الشركة وعلى متن السفن.
وتركز المبادئ التوجيهية الصادرة عن ClassNK لتصميم الأمن السيبراني على متن السفن على بناء شبكات آمنة، وذلك ضمن نهج متعدد المراحل يعزز المرونة السيبرانية عبر مختلف مراحل دورة حياة السفينة، بدءاً من التصميم الآمن وصولاً إلى التشغيل الآمن وتطوير البرمجيات.
سلامة السفينة عامل أساسي
بالنسبة إلى السفن المبنية حديثا، ينصب التركيز على دمج عناصر الأمن السيبراني في تصميم السفينة قبل مغادرتها الميناء، من خلال التحقق من تصميم الشبكات الآمنة والتخفيف من المخاطر وفق المعايير الهندسية. وفي هذا السياق، تمنح ClassNK تصنيف CybR-G الذي يشير إلى التحقق من تدابير الأمن السيبراني للسفينة منذ مرحلة التصميم، مروراً بمراجعة الوثائق والبناء والاختبارات، وصولاً إلى التسليم وعمليات التدقيق اللاحقة للصيانة.
أما خلال التشغيل، حيث يتركز الاهتمام على جرد الأنظمة على متن السفينة وبنية الشبكة، فمن الضروري التحقق من تطابق الوثائق المقدمة مع المتطلبات الفعلية. ويُعد منع توصيل الأجهزة غير المصرح بها وتقييد استخدام وسائط USB من أفضل الممارسات المتعارف عليها، كما تبرز أهمية التأكد من تكوين الجدران الناريةfirewalls بشكل صحيح واكتمال ملفات النسخ الاحتياطي.
وقد قامت المنظمة البحرية الدولية بتحديث مبادئها التوجيهية بشأن إدارة المخاطر السيبرانية البحرية في عام 2024، إلا أن تسارع التطور التكنولوجي والتغيرات الجيوسياسية المتسارعة يفرضان ضرورة مواكبة خدمات الأمن السيبراني في قطاع النقل البحري للتطور المستمر في طبيعة التهديدات.
وفي هذا العام، تعزز ClassNK جهودها لتحديث شهادات الأمن السيبراني لديها، بما يضمن فعالية نظام CSMS لدى عملائها على مستوى المؤسسة وعلى متن السفن. وتؤكد التطورات الأخيرة أهمية التحقق من جاهزية أنظمة تقنيات المعلومات والتقنيات التشغيلية على متن السفن، نظراً لدورها الحيوي في ضمان سلامة الملاحة.
ويواصل خبراء الأمن السيبراني في ClassNK تحليل أحدث التقارير والتعاون مع خبراء خارجيين لتحديث توصيات أفضل الممارسات المتعلقة بالأمن السيبراني على متن السفن مع ظهور تهديدات جديدة. كما تستمر في نشر الأبحاث العملية والرؤى التنظيمية التي تدعم تصميم وتشغيل السفن في الواقع العملي، ومن المتوقع قريباً إصدار تحديث جديد ضمن سلسلة ClassNK الأمنية يتضمن مبادئ توجيهية خاصة بالأمن السيبراني للمعدات البحرية.
وتُظهر التجربة أن الأمن السيبراني لا يقتصر على الامتثال للأنظمة، بل هو ثقافة مؤسسية متكاملة. ومع ذلك، لا بد من توفير الأدوات المناسبة لتعزيز المرونة السيبرانية وتمكين الطواقم من اتباع بروتوكولات واضحة تدعم دورة التحسين المستمر.







