- أمن الممرات المائية هو مسؤولية دولية، وأي مساس بها هو مساس بعصب الاقتصاد العالمي
- العنصر البشري هو الاستثمار الحقيقي والأهم لأي مؤسسة تسعى للنجاح المستدام
- رؤيتنا للعقد القادم ترتكز على محورين أساسيين: التوسع الاستراتيجي والتحول الرقمي
في وقت يشهد فيه قطاع النقل البحري تحولات متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، تبرز أهمية بناء قطاع بحري كويتي قادر على مواكبة المتغيرات وتعزيز دوره في الاقتصاد الوطني. في هذا اللقاء مع ربان السفينة، يتناول الأستاذ جعفر نصيب، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، شركة نصيب للملاحة، أبرز ملامح المشهد البحري في دولة الكويت، ويتطرّق إلى التحديات التي تواجه الشركات العاملة في القطاع، وانعكاسات الظروف الجيوسياسية على حركة الملاحة، هذا إلى جانب قضايا الجودة والصحة والسلامة، والبيئة وتأهيل الكوادر الوطنية، ورؤية الشركة للسنوات المقبلة.
بالنظر إلى تاريخ شركة نصيب للملاحة الممتد منذ عام 1955، كيف تقيمون المشهد الحالي للقطاع البحري في دولة الكويت، وما أبرز ملامح التطور التي ترصدونها؟
إننا في دولة الكويت نمر بمرحلة مفصلية ومهمة جدا في تاريخ القطاع البحري، حيث نشهد تطورات متسارعة تعكس إدراكا حكوميا عميقا لأهمية هذا القطاع كشريان أساسي للاقتصاد الوطني ورديف استراتيجي للقطاع النفطي. الوضع الحالي يبشر بنهضة حقيقية، وأبرز ملامح هذا التطور تتجلى بوضوح في المشروع الاستراتيجي الضخم "ميناء مبارك الكبير"، والذي نعتبره نقلة نوعية لن تقتصر آثارها الإيجابية على الكويت فحسب، بل ستجعل من الدولة محورا لوجستيا وتجاريا رئيسيا في شمال الخليج العربي والمنطقة ككل.
إلى جانب المشاريع الكبرى، ما الذي تحتاجه الكويت لكي يتحول التطور في البنية التحتية البحرية إلى فرص حقيقية للقطاع الخاص والاستثمار البحري؟
إلى جانب المشاريع العملاقة، نلمس جهودا حثيثة ومستمرة في عمليات التوسعة والتحديث للموانئ القائمة حاليا، مثل ميناء الشويخ وميناء الشعيبة، من خلال تعميق الغاطس، وتحديث البنية التحتية، وإدخال التكنولوجيا الحديثة في إدارة العمليات والمناولة. هذه الخطوات تساهم في رفع الطاقة الاستيعابية، وتقليل أوقات انتظار السفن، وتعزيز التنافسية الإقليمية للكويت، وهو ما ينعكس إيجابا على حركة التجارة وسلاسل الإمداد. ومن المهم أن تترافق هذه الجهود مع توفير بيئة مناسبة للقطاع الخاص وتمكين الشركات البحرية من التوسع وتطوير خدماتها.
كشركة وطنية رائدة تعمل في هذا المجال منذ منتصف القرن الماضي، ما هي أبرز التحديات والعقبات التشغيلية التي تواجهكم اليوم في بيئة العمل البحرية داخل الكويت؟
بكل تأكيد، الاستمرارية والنجاح منذ عام 1955 وحتى اليوم لم تكن لتتحقق لولا القدرة على التكيف، لكننا اليوم نواجه تحديات هيكلية تتطلب تدخلا وحلولا جذرية من الجهات المعنية. التحدي الأبرز الذي يؤرقنا ويؤرق الكثير من الشركات البحرية يتعلق بالبنية التحتية المساندة، وتحديدا أزمة توفر أماكن اصطفاف ورسو سالمة للقطع البحرية والسفن خلال أوقات توقفها عن العمل، أو في حال عدم ارتباطها بمشاريع قائمة. هذه المشكلة تتفاقم في ظل الارتفاع المبالغ فيه لرسوم الاصطفاف الحالية، مع غياب شبه تام للخيارات البديلة والمناسبة التي تراعي التكلفة التشغيلية للشركات.
ما الذي تحتاجه الشركات البحرية في الكويت لتوسيع أعمالها؟ ما هي أبرز القرارات التي تعزز من نمو القطاع البحري؟
لا شك أن أكبر عائق أمام التوسع، هو ندرة الفرص المتاحة للشركات البحرية لتوسيع رقعة أعمالها. نحن كشركات متخصصة بحاجة ماسة إلى تخصيص أراض استراتيجية، وخاصة الأراضي القريبة من السواحل والشواطئ، لإنشاء ورش صيانة، ومخازن للمعدات البحرية، ومرافق دعم لوجستي. إن عدم منح الشركات مساحات تتيح لها التوسع يعيق قدرتها على المنافسة وتطوير خدماتها، ويحد من إمكانات القطاع الخاص في المساهمة الفاعلة في الاقتصاد الوطني. نحن نتطلع إلى شراكة حقيقية مع مؤسسات الدولة لتذليل هذه العقبات وتوفير بيئة جاذبة ومحفزة للاستثمار البحري.
في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة والظروف السياسية والحرب القائمة، كيف تأثرت حركة الملاحة وكيف انعكست هذه التوترات عليها، وما التحديات التي أفرزتها هذه الأوضاع؟
لا يخفى على أحد أن النقل البحري هو أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثرا بالظروف الجيوسياسية والأمنية. إن ما نشهده اليوم من توترات، وما تتعرض له خطوط الملاحة من تهديدات جراء الاعتداءات التي طالت دول الخليج والمنطقة، يمثل تحديا بالغ الخطورة. وهذا التصعيد ألقى بظلاله الثقيلة على القطاع البحري بأكمله في الكويت والخليج العربي.
جعفر نصيب
كيف تتعامل شركة نصيب للملاحة عمليا مع إدارة المخاطر في ظل تغير المسارات وارتفاع تكاليف التأمين البحري؟
على الصعيد التشغيلي، أدت هذه الظروف إلى إرباك واضح في سلاسل الإمداد والتوريد، واضطرت العديد من السفن إلى تغيير مساراتها أو اتخاذ تدابير أمنية استثنائية، مما ضاعف من وقت الرحلات والتكاليف التشغيلية. كما أننا نواجه اليوم ارتفاعا غير مسبوق في أقساط التأمين البحري وتأمين مخاطر الحرب، وهو ما يشكل عبئا إضافيا على ملاك السفن والمشغلين.
نحن في شركة نصيب للملاحة نراقب الوضع عن كثب، ونتخذ كافة التدابير الاحترازية لضمان سلامة طواقمنا وأسطولنا، لكننا نؤكد في الوقت ذاته أن أمن الممرات المائية هو مسؤولية دولية، وأي مساس بها هو مساس بعصب الاقتصاد العالمي.
السلامة عنصر أساسي في أي نشاط بحري. كيف تترجمون هذا المبدأ إلى ممارسة يومية داخل الشركة؟
فيما يخص السلامة، فهي خط أحمر؛ نحن نستثمر بشكل كبير في التدريب المستمر لطواقمنا البحرية والكوادر الفنية على أحدث بروتوكولات السلامة وإدارة المخاطر، لضمان بيئة عمل آمنة وخالية من الحوادث، وحماية للأرواح والممتلكات والبيئة البحرية التي نعمل بها.
كيف تنظرون إلى دور الكوادر الوطنية في قطاع الملاحة البحرية، وما هو دور شركة نصيب في استقطاب وتطوير الشباب الكويتي للعمل في هذا المجال الحيوي؟
العنصر البشري هو الاستثمار الحقيقي والأهم لأي مؤسسة تسعى للنجاح المستدام خاصة أن القطاع البحري بطبيعته قطاع متخصص ويحتاج إلى خبرات فنية وإدارية دقيقة. نحن نحمل على عاتقنا مسؤولية وطنية تتمثل في نقل هذه الخبرات المتراكمة منذ عقود إلى الجيل الجديد. وكذلك، نسعى دائما لخلق بيئة عمل جاذبة للشباب الكويتي، ونشجعهم على الانخراط في التخصصات البحرية المختلفة، سواء كانت في الهندسة البحرية، أم في الملاحة، أم في الإدارة التجارية واللوجستية.
ما الرسالة التي توجهونها إلى الشباب الكويتي الذي قد يتردد في اختيار القطاع البحري مسارا مهنيا؟
نؤمن بأن دمج حماس الشباب ورؤيتهم الحديثة مع حكمة وخبرة الرعيل الأول في الشركة هو المزيج الأمثل لضمان استمرارية تطورنا وتلبية طموحات الكويت المستقبلية، فالقطاع البحري يحتاج إلى طاقات وطنية قادرة على التعلم والتطور وتحمل المسؤولية في مجالات فنية وإدارية متعددة.
بعد كل هذه الإنجازات والتحديات التي تحققت وفي ظل التحديات التي تواجهونها، ما رؤيتكم المستقبلية لشركة نصيب للملاحة خلال العقد القادم؟
رؤيتنا للعقد القادم ترتكز على محورين أساسيين: التوسع الاستراتيجي والتحول الرقمي. نحن نخطط لتنويع محفظة خدماتنا البحرية وزيادة حجم ونوعية أسطولنا لتلبية الطلب المتزايد، خاصة مع انطلاق المشاريع الكبرى في الدولة. كما أننا نستثمر في التحول الرقمي وأتمتة العمليات لرفع كفاءة الأداء التشغيلي وتقديم خدمات متميزة لعملائنا.
أخيرا، كيف تتصورون مكانة الكويت البحرية في أفق 2035، وما الذي تتمنون أن يتحقق للقطاع خلال السنوات المقبلة؟
هدفنا الأسمى هو أن نبقى الشريك البحري الموثوق في الكويت، وأن نساهم بفعالية في تحقيق رؤية "كويت جديدة 2035" عبر تحويل الدولة إلى مركز مالي وتجاري وخدمي إقليمي ودولي، محافظين في الوقت ذاته على إرثنا العريق ومبادئنا الراسخة. ونرى أن تطوير القطاع البحري، وتعزيز البنية التحتية، وتمكين القطاع الخاص، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا، كلها عناصر مترابطة في بناء مستقبل بحري أكثر قوة واستدامة.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 103، يوليو/ سبتمبر 2025، لقاء بحري، ص. 14 |







