يشهد القطاع البحري حالياً ثورة تكنولوجية متسارعة. فمن الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والأنظمة الذاتية، تعيد الابتكارات تشكيل كيفية تشغيل السفن. فقد تابعت Joanne Waters، المديرة القانونية ورئيسة النقل البحري الذكي لدى شركة المحاماة الدولية DAC Beachcroft، مسار التحول الرقمي في قطاع النقل البحري طوال مسيرتها المهنية، وهي من أبرز المتخصصين الذين يعملون على تفكيك التعقيدات القانونية المرتبطة بالنقل البحري الذاتي.
مخاطر الاستقلالية الجزئية
في هذا السياق، وبالنسبة إلى قطاع يسعى إلى الابتكار بهدف الحد من الحوادث الناتجة عن الخطأ البشري، يبدو منطقياً أن تتمثل الخطوة الأولى في اعتماد أنظمة تنقل عملية اتخاذ القرار من الإنسان إلى الآلة، انطلاقاً من افتراض أن الآلات أقل عرضة للخطأ. إلا أن الواقع يُظهر أن الجمع بين الإنسان والآلة قد يزيد من المخاطر بدلاً من الحد منها إذا لم تتم إدارته بشكل صحيح.فمن جانبها، أوضحت Joanne قائلةً: "النظام الذاتي الذي يقتصر دوره على دعم اتخاذ القرار البشري يتيح فصلاً واضحاً بين أدوار ومسؤوليات الآلة والطاقم. لكن الأمور تصبح أكثر تعقيداً عندما تتولى الآلة جزءاً أكبر من سلطة اتخاذ القرار، بينما يتم حصر دور الإنسان في الإشراف. كيف نضمن بقاء المشرف البشري في حالة تنبه مستمر للنظام؟ وكيف نضع معايير عملية وواضحة تحدد متى وكيف يتدخل الطاقم البشري؟ وكيف نضمن انتقال السيطرة بين الآلة والإنسان بشكل سليم وفي الوقت المناسب؟ وهل يمكن اعتبار عدم التدخل مسؤولية قانونية لا تقل عن سوء التدخل؟"
متاهة الأطر التنظيمية
لا تقتصر التحديات التنظيمية في قطاع النقل البحري ذاتي التشغيل على المساءلة فحسب. فعلى عكس المركبات ذاتية التشغيل التي تعمل عادة ضمن نطاق قضائي واحد، تعمل السفن على المستوى الدولي، ما يتطلب بنية تحتية عالمية داعمة، هذا الامتداد العالمي يجعل تنظيم النقل البحري ذاتي التشغيل قضية سياسية بقدر ما هو مسألة تقنية.
وأضافت Joanne: " يمثل تداخل الاختصاصات القضائية مشكلة معروفة. فيجب أن يكون مركز التشغيل عن بُعد خاضعاً للسيطرة الفعلية لدولة العلم. ولكن إذا كان هذا المركز مستضافاً في دولة ثالثة، تكون هذه الدولة أيضاً مطالبة بممارسة سيطرتها وفقاً لقوانينها الوطنية، وأعتقد أن مسألة مراكز التشغيل عن بُعد ستتطلب مزيداً من النقاش". وفي ظل غياب الأطر التنظيمية والتشريعية العالمية والشاملة، توجهت Joanne إلى المشغلين وأوصتهم بسد الفجوات التنظيمية من خلال تطبيق القانون الخاص قائلةً: "راجعوا عقودكم، فالتشريعات المستقبلية قد لا تتطرق للقضايا الجوهرية مثل المسؤولية، لذا، عليكم التأكد من من تحديد توزيع المسؤوليات بصورة واضحة في العقود المطروحة عليكم".
كيفية الاعتماد على الحدس
من جهة أخرى، على الرغم من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل تتطور باستمرار مع تزايد البيانات المتاحة لها، لا تزال تفتقر إلى الخبرة العملية في البحر. ففي حين يطور البحّارة حدسهم المهني وإحساسهم العملي من خلال سنوات من الخبرة، تعتمد الأنظمة ذاتية التشغيل فقط على البيانات المتاحة لها.
وفي هذا الإطار، تطرح Joanne تساؤلاً حول إمكانية برمجة هذا النوع من الحكم المهني ضمن خوارزميات، قائلة: "كيف يمكن تزويد الأنظمة ذاتية التشغيل ببيانات كافية تمكّنها من اتخاذ قرارات أشبه بالحدس؟ وكيف يمكن ترميز الحكم المهني والاستجابة الحدسية، لا سيما في حالات الطوارئ؟"
نقطة الانطلاق
بالنسبة إلى المؤسسات الراغبة في استكشاف التقنيات ذاتية التشغيل، تنصح Joanne بالتركيز أولاً على الأساسيات لضمان نجاح أي استثمار مستقبلي. إذ ينبغي على مالكي السفن تجاوز الحد الأدنى الذي حددته المنظمة البحرية الدولية (IMO) لإدارة المخاطر السيبرانية، والتعامل مع الأمن السيبراني كأولوية تشغيلية، إلى جانب وضع إطار قوي لحوكمة البيانات.
وفي هذا السياق، أكدت Joanne: "لضمان جاهزية أعمالكم لمستقبل الأنظمة ذاتية التشغيل، من الضروري بناء أسس متينة لإدارة البيانات. فعندما تتوفر حوكمة بيانات فعالة، وفهم واضح لتدفقات البيانات وحقوق استخدامها، تصبحون في موقع مناسب للاستفادة من هذه الأسس عبر دمج الأنظمة الذاتية". وفي نهاية تعليقها، دعت إلى أن يكون القطاع جزءاً من الحل ، وذلك من خلال المساهمة في بناء الثقة بالأنظمة ذاتية التشغيل عبر المشاركة في البيئات التنظيمية التجريبية ومشاريع الاختبار، وكذلك، مشاركة النتائج التجريبية بدلاً من حصرها داخلياً.
واختتمت بالقول: "نحن قادمون على مرحلة مختلفة تماماً عن واقعنا الحالي الذي اعتدنا عليه، وقد تستغرق الأطر التنظيمية بعض الوقت لتواكب التطورات الحاصلة. فمن شأن تعزيز الشفافية في الأبحاث الجارية، والمشاريع التجريبية، واختبار المنتجات وفق معايير ضمان معترف بها دولياً، أن يوضح الأطر التنظيمية ويعزز ثقة القطاع".
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.






