تحية بحرية
هي قصة قصيرة لكن ما حدث عاد بي خمسة عشر سنة إلى الوراء. ففي بداية صيف العام 1999، حصلت على درجة البكالوريوس في تكنولوجيا الملاحة البحرية من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، لكن الظروف شاءت أن يحدد حفل التخرج في آخر شهر أغسطس من ذلك العام، وعليه كان القرار بعدم الحضور كون البحر يناديني إليه.
ينتظر كل طالب جامعي حفل تخرجه بفارغ الصبر، فهي اللحظة التي يعلن فيها للعالم انتقاله إلى الحياة العملية، الصاخبة بكل أنواع التحديات والمفارقات والمشاغل، وهي البداية الفعلية لصناعة الخبرة التي يصقل كل خريج بها ما انطبع في ذهنه خلال أيام الجامعة، ليصبح قادرًا على مدار الأيام أن يتطور ويتدرج نحو العُلى.
في يوم التخرج، كنت في عرض البحر، متمنيا بالطبع أن أستطيع سماع اسمي والتوجه نحو المنصة، لكن «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»، ومرت الأيام...
«احتفالية يوم لمّ الشمل لخريجي الأكاديمية»، حدث هام مميز قامت به إدارة رابطة الخريجين في 13 أغسطس الماضي، بدعم وحضور رئيس الأكاديمية الدكتور إسماعيل عبد الغفار، حيث تمت دعوة أكثر من 150 متخرجًا بحريًا، ولأول مرة منذ تأسيسها في عام 1972، ليلتقوا ويكرّموا ويناقشوا، ومن مقر الأكاديمية في الإسكندرية، كيفية المساهمة في المحافظة على صرح بحري مثال للتعاون العربي المشترك.
هي لفتة يشكر كل من شارك في التحضير لها، فاللقاء مع من كنا تلامذتهم ورؤيتنا لهم يكرّمون أمامنا، ورؤيتهم لنا نكرّم أمامهم من قبل الأكاديمية، هو بلا شك تقدير لأكاديمية بفضلها والقيمين عليها، يعمل قطاع النقل البحري العربي بكوادر عربية كفؤة. وقلما تجد شركة أو مرفق بحري حكومي كان أم خاص، إلا وتجد أثر أحد الخريجين ظاهر فيها.
ذلك اليوم عوّض علي حسرة الغياب عن حفل التخرج، فتحية لمنارة العرب البحرية في الإسكندرية، التي نفخر حقًا أن نكون من خريجيها، على أمل أن يكون هذا الحدث بداية الطريق نحو عهد عربي بحري مشترك ينهي مآسي بحر السياسة المتقلب دومًا.

