تحية بحرية
تتكرر التساؤلات حول أسباب تأخر قطاع النقل البحري في مواكبة التكنولوجيا والتقنيات الحديثة مقارنة بغيره من القطاعات، وهو تساؤل مشروع عند النظر إلى سرعة التحول الرقمي الذي تشهده معظم الصناعات الأخرى. غير أن الجواب يكمن في طبيعة هذا القطاع الذي يعد تقليديا بطبيعته، ويتقدم بخطوات بطيئة تشبه سرعة السفن ذاتها. فعلى الرغم مما نلمسه اليوم من تحسن في استجابة ملاك السفن لهذه المستجدات، إلا أن هذه الاستجابة ما زالت محدودة، وتضع القطاع في موقع متأخر نسبيا خلف باقي الصناعات.
اليوم يقف الذكاء الاصطناعي في صدارة التحديات والفرص معا، فقد أظهرت دراسة حديثة أن 82% من العاملين في القطاع متفائلين بإمكاناته، و81% ينفذون مشاريعا تجريبية، لكن 37% منهم شهدوا إخفاقات فعلية، في حين لا يملك سوى 11% سياسات واضحة للتوسع. ورغم أن 97% يرونه أداة قادرة على تقليل الأعباء اليدوية وتحسين الكفاءة التشغيلية، فإن المخاوف باقية من فقدان المهارات البشرية إلى مخاطر الأمن السيبراني وضعف الثقة ببعض المزوّدين.
ومع ذلك، أثبتت التجارب العالمية نجاح الأتمتة الكاملة في الموانئ. ففي ميناء Rotterdam تُستخدم أنظمة ذكية للتنبؤ بمواعيد السفن وتقليل زمن الانتظار. وفي ميناء Singapore، تُعد محطة Tuas مثالا متقدما للأتمتة عبر مركبات ذاتية القيادة وتحليلات لحظية. أما ميناء Yangshan في Shanghai، فيُعد نموذجا عالميا لتكامل الروبوتات والذكاء الاصطناعي في إدارة تدفق الحاويات وخفض الانبعاثات. عربيا، برز ميناء جبل علي في دبي عبر إدخال أدوات تحليلية متقدمة لإدارة العمليات، فيما عزز ميناء طنجة المتوسط في المغرب مكانته كمحور لوجستي بفضل أنظمته الذكية للربط الرقمي والمراقبة.
ولا يقتصر الأمر على الموانئ، بل يمتد إلى الشركات الملاحية الكبرى مثل CMA CGM، Maersk، وMSC، التي بدأت في تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي لتحسين مسارات السفن وخفض استهلاك الوقود وتعزيز الاستدامة. كما أن شركات بناء السفن تبنت أنظمة صيانة تنبؤية قائمة على البيانات تقلل الأعطال وتعزز السلامة، لتصبح السفينة أكثر ذكاء وسلامة.
هذه الصورة تتقاطع مع ما جاء في تقرير التجارة العالمية لعام 2025 الصادر عن منظمة التجارة العالمية، الذي توقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز التجارة العالمية بنسبة تصل إلى 40% بحلول عام 2040 إذا توفرت السياسات التمكينية المناسبة. وهو ما يعكس الحاجة الملحة إلى سد الفجوة الرقمية، والاستثمار في مهارات القوى العاملة، ووضع أطر تنظيمية تضمن أن تكون منافع التكنولوجيا متاحة وشاملة.
وفي السياق ذاته، أطلق المجلس العالمي للشحن (WSC) برنامج سلامة البضائع، الذي يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعايير تفتيش موحدة للكشف عن البضائع الخطرة المصرح عنها بشكل خاطئ أو غير المصرح عنها، بعد أن أصبحت حرائق السفن أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعة. ويمثل هذا البرنامج طبقة إضافية من السلامة تحمي الأرواح، وتصون البيئة البحرية، وتعزز نزاهة سلسلة الإمداد العالمية.
في الخلاصة، إن مستقبل النقل البحري لن يؤدي إلى استبدال الإنسان بالآلة، بل في التكامل بينهما حيث يعمل الذكاء الاصطناعي كمساعد يقدم الرؤية والتحليل، بينما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان الذي يحمل الخبرة ويضمن المسؤولية. واليوم، تقف الموانئ والشركات الملاحية العربية أمام فرصة تاريخية لصياغة نموذجها الخاص للابتكار البحري، ليس لمجاراة التجارب العالمية فحسب، بل لتكون في طليعة الموانئ الذكية والشركات الملاحية الرائدة التي تصنع مستقبل التجارة العالمية.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 99، سبتمبر/ أكتوبر 2025، ص. 7 |


