تحية بحرية
هو مالئ الدنيا وشاغل الناس وتجري رياحه حاليا بما لا تشتهي السفن، فلا يكفينا اقتصاد عالمي بطيء الحركة ليصل هذا الضيف الثقيل "الكورونا" ويصيب البشر وغالبية الصناعات بالرصاصة القاضية في مشهد يصعب الإفلات من تأثيراته الفادحة.
فالإنخفاض في نمو التجارة البحرية أمرا كان متوقعا وفق تقرير مراجعة النقل البحري 2019 الذي يصدره سنويا مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، وقد تطرقنا له في العدد 64، لكن ما لم يكن متوقعا هو قيام من لا يتخطى قطره 500 ميكرو (نصف ميلليميتر)، بإدارة تباطؤ الإقتصاد العالمي إلى أقل من 2% لهذا العام أي بكلفة مقدرة بحوالي تريليون دولار، ما يعني أننا على عتبة ركود اقتصاد عالمي جديد.
الضحية البحرية الأولى كانت مطلع فبراير مع سفينة الركاب Diamond Princess التي فرض عليها الحجر الصحي قبالة ميناء يوكوهاما مع إصابة 10 ركاب بكورونا قبل إجلائها بعد تحولها لسجن عائم موبوء في أواخر فبراير ومع وصول عدد المصابين لأكثر من 700، لتتوالى بعدها حكايات سفن ركاب أمست مصدرا للرعب، بعد أن كانت مصدرا للموارد السياحية والإقتصادية.
في المقلب الآخر اتبعت معظم الشركات الملاحية استراتيجية إلغاء رحلاتها عند انخفاض أو عدم وجود كميات كافية من البضائع والحاويات على طرق الشحن الرئيسية، ومع كورونا ازداد هذا الإتجاه، وفرض على شركات الشحن ووسطاء الشحن الإحتفاظ بالمعدات والحاويات الفارغة لفترة أطول من المعتاد، ما أدى إلى زيادة رسوم التأخير والحجز بالإضافة إلى رسوم إعادة نقلها إلى أمكنة أخرى.
ليس ذلك فحسب، فقد تخطت خسائر شركات النقل البحري عتبة 1.9 مليار دولار أمريكي بسبب ازدياد انتشار الفيروس ونتيجة لإلغاء مئات الرحلات أبرزها من وإلى الصين التي تستحوذ موانئها على 20% من التجارة البحرية حول العالم وهي نسبة لا يستهان بها.
أما ناقلات النفط فالكثير منها انتظر وينتظر الدخول لتفريغ حمولاته في العديد من الموانئ، وعليه هناك ازديد في كمية المنتجات النفطية العائمة منذ انتشار كورونا، نتيجة التقليص في تشغيل المصافي حول العالم.
بالإنتقال إلى قطاع أحواض بناء وإصلاح السفن نجدها أيضا مضطربة بسبب تأثير الفيروس على القوى العاملة لديها ما هدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها لإنجاز مشاريعها. ونتيجة لذلك، سعت هذه الأحواض إلى استخدام أحكام القوة القاهرة في عقودها من أجل تمديد تواريخ تسليم السفن، والذي سيتسبب بدوره بمشاكل لملاكها الذين قد يواجهوا تأخيرات خاصة عندما تكون هذه السفن مرتبطة في مشروع محدد أو مشارطة طويلة الأمد.
آثار كورونا ضربت أيضا سوق تفكيك السفن مع تفاعل أسواق إعادة التدوير الدولية بطريقة سلبية بنفس وتيرة تأثر سلاسل الإمداد العالمية، فكان هناك افتقار شبه كامل للعروض المقدمة للتفكيك خاصة مع انخفاض أسعار الحديد الصلب. كما توجد قيود متزايدة على السفن القادمة من المناطق الموبوءة.
لا نستطيع في هذا الإطار أن ننسى الدور السلبي الكبير الذي تركه كورونا ولا يزال على البحارة الذين ومع استمرار الوضع بالتفاقم والإنتشار، إزداد منعهم من النزول إلى البر أو حتى تأخير عمليات تبديلهم مع الإضطراب الكبير في حركة الطيران، وبالتالي سينعكس ذلك على أدائهم في العمل ما يعني حكما رفع في مؤشر المخاطر.
مع الأمل في إيجاد العلاج، وبالرغم من أن تأثيره لا يزال كبيرا، يتبين أن تداعياته بدأت بالتباطؤ، ويبدو أننا سنشهد بدايات لاستقرار مع انخفاض الرحلات الملغاة، وعودة شركات النقل البحري ولو ببطء إلى شحن البضائع مع الإشارة إلى أنه من غير المرجح العودة إلى التعافي قبل النصف الثاني أو حتى الربع الأخير من 2020.
الربان هيثم شعبان
