تجربة بحرية
تقوم كل من اللوائح والقوانين المعتمدة دولياً بتصنيف الدول والشركات وحتى الأفراد بناءً على معايير معينة، حيث تخضع هذه الملفات بشكل دائم، ويتم البناء على سمعتها عالمياً.
ويختلف هذا التصنيف من دولة إلى أخرى، فمنها ما يصدر عن مجموع الدول أو الجهات المانحة، ومنها ما يصدر على المستوى الوطني. ومن أشهر هذه التصنيفات ما يُعرف بالقائمة البيضاء للسفن، والذي غالباً ما يُربط بالأداء العام للدولة أو المؤسسة البحرية.
القائمة البيضاء هي مؤشر عالمي للأداء البحري، حيث يدل إدراج الدولة فيها إلى عملية تشغيل السفن بصورة آمنة ومتوافقة مع الاتفاقيات الدولية، بما في ذلك متطلبات السلامة والأمن وحماية البيئة البحرية.
وتُعد عمليات التفتيش التي تُجرى على السفن إحدى أهم أدوات مراقبة هذا الأداء خلال الرحلات البحرية. وقد صدرت تقارير عديدة خلال السنوات الماضية، أظهرت تبايناً واضحاً في نتائج التفتيش بين دولة وأخرى، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على سمعة الدول المالكة للأساطيل.
وأظهرت بيانات عام 2023 أن السفن التي ترفع أعلام 42 دولة تم إدراجها ضمن القائمة البيضاء، مقارنة مع العام الماضي، فيما بقيت اللائحة الرمادية على عدد محدود، بينما ضمت القائمة السوداء 11 أو 12 دولة.
وتُعتبر القائمة البيضاء مرجعاً مهماً للدول ذات الجودة العالية في مجالها، والتي لديها سجل نظيف لعمليات التفتيش على أسطولها ونسبة عيوب منخفضة. أما الدول ذات الأداء المتوسط فهي تُدرج ضمن القائمة الرمادية، بينما تُدرج الدول ذات الأداء الضعيف ضمن القائمة السوداء، وهو ما ينعكس سلباً على عمليات تشغيل السفن التابعة لها ويزيد من احتمالية احتجاز السفن في الموانئ.
وفيما يتعلق بالقائمة البيضاء العربية، نجد أن الدول العربية لا تزال تمثل حضوراً محدوداً في هذه القائمة، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل من أبرزها ضعف الاستثمار في منظومة السلامة البحرية، وعدم كفاية برامج التدريب والتأهيل للبحارة، بالإضافة إلى ضعف الرقابة على السفن.
كما أن بعض الدول حققت تقدماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حيث تم تحسين جودة الأساطيل ورفع مستوى الالتزام بالمعايير الدولية، مما ساهم في تحسين ترتيبها عالمياً، إلا أن التركيز لا يزال مطلوباً من باقي الدول العربية في هذا المجال.
وفي ضوء ذلك، فإن تطوير قطاع النقل البحري يتطلب جهوداً مشتركة بين الجهات الحكومية والخاصة، والاستثمار في التدريب والبنية التحتية، إضافة إلى الالتزام الصارم بالاتفاقيات الدولية، من أجل تعزيز موقع الدول العربية على خارطة النقل البحري العالمي.
أما فيما يخص المملكة العربية السعودية، فلا بد من الإشارة إلى أنها لا تزال تسير بخطى ثابتة نحو تحسين أدائها البحري، إلا أن دخولها ضمن القائمة البيضاء يتطلب مزيداً من العمل المؤسسي وتطوير الأنظمة والتشريعات البحرية.
ختاماً، لا بد من التأكيد على أن عدم وجود بعض الدول العربية ضمن القائمة البيضاء لا يعني بالضرورة ضعفها المطلق، بل يعكس الحاجة إلى مزيد من الإصلاحات والتحسينات المستمرة، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال التخطيط السليم والاستثمار طويل الأمد في القطاع البحري.

