تحية بحرية
في بحث صغير عن عدد الموانئ العربية التي تخصص بداخلها ما يعرف بمقاهي ونوادي للبحارة، تكتشف أن عددها معدوم. فيما عدد هذه النوادي خارج الميناء قليل جدًا (3 في مصر، 2 في الإمارات، وواحد في كل من البحرين والأردن والمغرب).
إحصائية بسيطة تفتح الباب على قضية كبيرة، عنوانها العريض «معاناة البحارة في وطننا العربي، وحجم العزلة التي يشعرون بها».
ففي زمن بات فيه التواصل أسهل من شرب الماء، بفضل التقدم التكنولوجي عبر الأجهزة الذكية، لا تزال سلطات دول عديدة في منطقتنا تحد من تحركات البحارة، وتعيق دخولهم وخروجهم وتنقلهم من وإلى الموانئ.
وإننا إذ نقدر أهمية وحق كل دولة في المحافظة على أمنها، لكن حرية ورفاهية البحارة هي حق دائم وهام على الجميع أخذه بعين الاعتبار وتعزيزه. وفي هذا الإطار، تبرز العديد من الاتفاقيات الدولية التي تراعي هذا الأمر، فيما تأتي قوانين الدول الموقعة منها وغير الموقعة التي تخرق هذه الاتفاقيات.
أبرز هذه الاتفاقيات هي اتفاقية العمل البحري MLC 2006 عبر اللائحة 4-4 التي تنص على ضمان كل دولة عضو في هذه الاتفاقية إمكانية وصول البحارة بسهولة إلى مرافق الرعاية حيثما وجدت، وتشجيع الدولة العضو على إقامة مرافق الرعاية في موانئ معينة لتمكين البحارة من السفن الموجودة في هذه الموانئ من الوصول إلى مرافق الرعاية الملائمة، مثل الخدمات الثقافية والترفيهية وخدمات المعلومات. وهناك 86 دولة موقعة عليها منها 5 دول عربية (الجزائر، الأردن، لبنان، المغرب، وتونس).
وهناك أيضًا اتفاقية وثيقة هوية البحارة The Seafarers’ Identity Documents Convention (No. 185) التي تهدف إلى تعزيز الأمن البحري في جميع أنحاء العالم، من خلال إنشاء نظام دولي جديد دقيق لتحديد هوية البحارة وتزويدهم بوثائق تحدد هويتهم البيومترية بالتقنيات المماثلة لتلك المستخدمة حاليًا في جوازات السفر، وعليه تسهل إصدار تصاريح البحارة وزيارة البر، وانتقال البحارة وعبورهم، مع تعزيز الأمن في الموانئ من خلال استخدام وثيقة آمنة ومعترف بها دوليًا. وللأسف، هناك 35 دولة فقط مصادقة عليها حتى الآن منها ثلاث دول عربية (الأردن، تونس، واليمن).
وانطلاقًا مما ذكر، لا شك أن ازدياد عدد الدول الموقعة على الاتفاقيتين اللتين تم ذكرهما وتطبيقهما بشكل فعال كفيل بتغطية المتطلب الأمني، ومنح مزيد من الحرية للبحارة حول العالم بغض النظر عن الجنسية أو العرق أو اللون أو الجنس أو الديانة أو الرأي السياسي أو المنشأ الاجتماعي، وبغض النظر عن هوية مالك السفينة وجنسيتها.
وبالتالي، يتوجب على السلطات المعنية زيادة عدد نوادي ومقاهي البحارة داخل الموانئ كون الوصول للمقاهي خارج الميناء ممنوع، وعلى الأقل، ستؤمن هذه المقاهي متنفسًا للبحارة عبر الواي فاي المجاني للإنترنت والتواصل مع الأقرباء والأصحاب والنزول وممارسة بعض الهوايات التي تتيح لهم الشعور بالانتماء إلى الإنسانية وليس حجزهم على متن السفن كأنهم مخلوقات خطرة من خارج كوكب الأرض.
الرّبان هيثم شعبان

