تحية بحرية
إصدار جديد من مجلة ربان السفينة يواكب بداية عام 2010 التي نأمل أن تكون مشرقة على قطاع النقل البحري، بعد أن عانى هذا القطاع الأمرين بمختلف مجالاته جراء الأزمة المالية العالمية، والتي أدخلت المجتمع البحري في نفق مظلم طال أصغر العاملين فيه.
وعلى أعتاب السنة الجديدة، أبى عام 2009 إلا أن يودعنا بكارثة إنسانية شهدتها المياه اللبنانية، مع غرق الباخرة البانامية Danny F II وفقدان 24 بحار من أفراد طاقمها ووفاة 19 آخرين، شكلوا مجتمعين مادة دسمة لوسائل الإعلام التي تجاهلت معظمها أسباب الحادث الحقيقية، وتسارعت في فرض تحاليل بعيدة كل البعد عن الواقع، واستضافة شخصيات أدلت بتصاريح مريبة لا تستحق التعليق أحيانا.
ولعل هذا الأمر ليس بغريب، فالثقافة البحرية في لبنان خصوصا والمنطقة العربية عموما متواضعة لدى الكثيرين، وهو ما شكل لنا دافعا في مجلة ربان السفينة، بفتح أبواب هذا الملف على مصراعي من جديد، ومعالجة ظروف الحادث وأسبابه بأسلوب حرفي وتخصصي عبر استضافة شخصيات أجمعات على أهمية استحداث مركز بحث وإنقاذ بحري متخصص يغطي الساحلين اللبناني والسوري، لمنع تكرار مثل هذه الحوادث وفقدان المزيد من الأرواح البشرية.
وبعيدا عن التحاليل والتفسيرات لظروف حادثة غرق الباخرة، تبقى قضية الصندوق الأسود الحبكة الكبرى، جراء تكرر حالات فقدانه مع غرق البواخر، وفي جعبته تفاصيل آخر 12 ساعة لجملة الوقائع التي شهدتها الباخرة قبل غرقها، وهي الكفيلة بإجلاء الحقائق المتعلقة بأسباب الغرق.
ومن رحم هذه الحادثة المأساوية، تتضح أهمية إدراك ملاك السفن اللحاق بركب التكنولوجيا الجديدة، وتركيب صندوق أسود ذات وحدة طفو أوتوماتيكي، والتي تسمح له بالطفو على سطح الماء بعد غرق السفينة لعدة أمتار في البحر. كما تتوفر بعض أنواع الصناديق التي تسمح بتثبيت كبسولتها الخاصة بحفظ البيانات على جهاز EPIRB، على أن يقوم هذا الجهاز بإرسال موقعه أي موقع غرق السفينة وموقع كبسولة الصندوق الأسود المثبتة عليه، كي تساهم هذه التقنيات الحديثة في كشف أسرار السفن الغارقة، وتساعد على تطوير القوانين والتشريعات التي تحد من الكوارث.

