تحية بحرية
منذ القدم، كان البحر يعد وسيلة مثالية للكثير من المهاجرين الراغبين في تغيير مصائرهم ومصائر أبنائهم وأحفادهم، هربًا من حروب أو مآسي مروا بها. وعلى الرغم من صعوبة التنقل عبر البحر في تلك الأيام الغابرة، إلا أن مهاجرين كثر لجأوا إلى هذه الرحلات، التي أوصلتهم إلى أوروبا والأمريكيتين على سبيل المثال، وهم يقيمون هناك منذ عشرات السنين، بصحبة أبنائهم وأحفادهم.
إلا أن ذلك كان في السابق، في أيام لم يكن فيها قوانين وأوراق ثبوتية وأجهزة أمنية وأقمار صناعية تكشف لنا حقيقة ما يحدث، كما في أيامنا هذه.
مع انطلاقة عام 2015، كثرت الأخبار الإعلامية عن إعتراض حرس السواحل الإيطالية، والتركية والجزائرية وغيرها، لسفن تقل مهاجرين غير شرعيين، هاربين من جحيم الحياة في دولهم، إلى دول يسمعون عن حياة رغيدة توفرها لمواطنيها والمقيمين فيها.
هذه الرحلات التي يعرف عنها أهل البحر بأنها تعد من أبشع الرحلات البحرية وأخطرها. فالمهاجر على متنها، يغامر بحياته وحياة أبنائه، في رحلة لا يعرف مصيرها.
وبحسب آخر الإحصائيات، فإن حوالي 3500 شخص لقوا حتفهم وهم يحاولون عبور البحر المتوسط خلال العام الماضي، فيما تم إنقاذ 200 ألف آخرين. أرقام ليست ببسيطة، وتظهر لنا أن تنقل هؤلاء مرتبط بشبكة مصالح ضخمة وأناس وجدوا سوقًا مربحًا بشكل جنوني لإملاء جيوبهم بمبالغ هائلة بعدة أيام فقط.
وتأتي سفينة المواشي «عز الدين» المصنعة في عام 1966، خير مثال لقطعة بحرية هالكة لا تساوي عُشر ما جنى من جنى، ورميها كخردة في عرض البحر أمام السواحل الإيطالية وعلى متنها 359 شخصًا تختلف التسمية حولهم من «مهاجرين غير شرعيين» إلى «هاربين» أو «ناجين».
أما من يقوم بهذه الأعمال فيعرفون بـ «مهربي البشر»، الذين كما يقول مؤيدوهم أنهم لم يجبروا أي شخص على الصعود على هذه السفن، وبالتالي هم هاجروا بإرادتهم الكاملة، فيما يعتبرهم آخرون على أنهم «أبطال» ينقذون الناس وينقلونهم إلى حياة أفضل تمر بصعوبات أولية ثم بعدها يهنؤون.
بالطبع تنتهي الكثير من هذه الحوادث بكوارث، وعندها لن يعود الأبطال أبطال ولن يكون الناجون ناجون، ويظهر البحر مرة أخرى، وكما تصوره وسائل الإعلام العالمية، مرتعًا خطرًا للتهريب والنقل عبر الوسائل غير الشرعية والأعمال غير الإنسانية.
فالعرض والطلب مستمر، ومن يرغب بالهرب من حياة بائسة يملأها الفقر ويغيب عنها الأمن، نجده يائسًا لدرجة أنه قد يوافق على تعريض حياته وحياة أولاده للخطر، ومن يرغب بربح سريع جاهز دومًا لتلبية طلبات لن تتوفر كل يوم، وسط غياب كبير للرقابة.
لكن بصريح العبارة لا بد من السؤال التالي: «من يهتم؟»

