تحية بحرية
طالبت صحيفة "ديلي تيلغراف" البريطانية حكومة بلادها باتباع النهج الإستثماري المتميز الذي تعتمده حكومة أبوظبي، وذلك عقب افتتاح المرحلة الأولى من "ميناء خليفة" في الأول من سبتمبر بكلفة 7.2 مليارات دولار، وبقدرة 2.5 مليون حاوية نمطية، على أن تصل إلى 15 مليون بحلول عام 2030.
هو اعتراف قيّم من الصحيفة البريطانية، بأهمية خطط العاصمة الإماراتية، التي أصبحت مثالًا يُحتذى فيه كما يقول محللون وخبراء، فالميناء الجديد يقع على جزيرة صناعية مع منطقة كيزاد الصناعية والتي يُقدّر حجمها بثلثي حجم سنغافورة، لتستوعب مئات المشاريع وتوفر آلاف فرص العمل، وتوفر دعمًا كبيرًا للتجارة الخليجية البينية.
إلا أنه، وفي المقابل، ينظر بعض المحللين بقلق إلى حجم إنفاق دول الخليج العربي، واستثمار ما يصل إلى 46 مليار دولار لاستحداث مرافئ ومحطات حاويات في يومنا هذا ووسط نموّ اقتصادي عالمي هش.
وفي مراجعة شاملة لأبرز الموانئ التي يجري إنشاؤها حاليًا وتنفق الملايين والمليارات لهذه الغاية، نرى أن ميناء خليفة الجديد يقع على مسافة 40 كيلومترًا من ميناء جبل علي في دبي، محطة الحاويات التاسعة عالميًا من حيث الحجم والميناء الأكثر ازدحامًا خارج منطقة شرق آسيا.
وعليه، المنافسة ستكون حتمية رغم أن مسؤولي الشركات المشغلة للمينائين استبعدوا ذلك، على اعتبار أن "ما تقوم به أبوظبي مكمّل لما نقوم به في دبي"، و"أن ميناء خليفة هو ميناء وجهة نهائية في حين يركّز جبل علي على المسافنة" أي الشحن إلى موانئ أخرى، مع الملاحظة أنه في ديسمبر الماضي ظهرت تصريحات حول استثمارات بقيمة 850 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات لرفع قدرة ميناء جبل علي إلى 19 مليون حاوية نمطية.
وإذا انتقلنا شمالًا إلى قطر، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، نجدها تنفق 5.2 مليار دولار على مرفئها الجديد المخطط له أن يكون بقدرة 6 ملايين حاوية، والمقرر افتتاحه في عام 2016. وعلى بعد 160 كيلومترًا منه يقع في البحرين، ميناء خليفة بن سلمان، الذي يضاعف قدرته إلى 4 ملايين حاوية خلال الثلاث سنوات القادمة.
أما شمالًا، تطمح الكويت إلى بناء ميناء مبارك الكبير ليكون قادرًا على التعامل مع حوالي 1.5 مليون حاوية سنويًا ليخدم التجارة المحلية والإقليمية، مع الإشارة إلى قضايا خلافية حول الميناء مع العراق، الذي يريد تطوير منشآته الخاصة في ميناء الفاو.
وجنوبًا نرى سلطنة عمان، التي تملك ساحلًا قصيرًا على الخليج، تركّز التوسع في ميناء صلالة الواقع 650 كيلومترًا جنوب مضيق هرمز، حيث سترفع قدرته بنسبة 50% ليصل إلى 9 ملايين حاوية في عام 2016، في حين يتوقع مناولة 4 ملايين حاوية هذا العام، وهو تقدم بنسبة 23% عن العام الماضي.
ومما لا شك فيه، أن هذه الإحصائيات والأرقام تجعلنا سعداء ونحن نرى قطاع النقل البحري متربّعًا على عرش المشاريع الاستراتيجية في دول مجلس التعاون.
في المقابل، تبرز التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي، والذي توقع انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي في دول الخليج من 5.3% هذا العام إلى 3.7% في عام 2013. إذ أن مخطط دول المجلس بإنهاء اعتماده الكامل على النفط أمر جيد، لكن بالنظر إلى القدرة الكبيرة التي تتمتع بها هذه الموانئ الحديثة، وحجم الميزانيات الباهظة التي تتطلبها، تبرز الحاجة للدعوة إلى تنسيق شامل بين دول الخليج لعدم تكرار أخطاء وقعت في البحر المتوسط في السنوات العشرين الماضية، وظهر بعدها رابحون وخاسرون.

