تحية بحرية...
رغم الغمامة السوداء التي تخيم على قطاع النقل البحري، وفي الوقت الذي تتصدر فيه صور السفن المحترقة وأخبار البحارة العالقين والمصابين واجهة المشهد البحري، يأتي تقرير القوى العاملة البحرية الصادر عن المجلس البحري البلطيقي الدولي BIMCO والغرفة الدولية النقل البحري ICS، ليكشف عن مفارقة لا يمكن تجاهلها بأن العالم يحتاج إلى مزيد من البحارة، ما يؤكد وجود فرصة حقيقية للشباب للتوجه للدراسة في مسارات تعليمية واسعة في قطاع عالمي ما زال بحاجة إلى الكفاءات البحرية وعدم الاستثمار في اختصاصات فيها تخمة وكثرة وندرة في فرص العمل والتوظيف.
يقدّر التقرير عدد البحارة المؤهلين والمتاحين للعمل على متن الأسطول التجاري الدولي عالميا بنحو 2,565,580 بحارا. منهم 1,048,980 ضابطا و 1,516,600 بحار من غير الضباط. وفي المقابل، يُقدّر الطلب العالمي بنحو 2,547,790 بحارا لتشغيل أسطول تجاري يضم 85,148 سفينة، بزيادة بلغت 14% في عدد السفن مقارنة بالتقرير السابق.
للوهلة الأولى، قد توحي هذه الأرقام بوجود توازن بين العرض والطلب، لكن التفاصيل تكشف اختلالا حقيقيا في تركيب القوى العاملة. فالقطاع يواجه حاليا عجزا يُقدّر بـ 39,100 ضابط بحري مؤهل، في مقابل فائض يبلغ 56,890 من البحارة غير الضباط.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في العدد الإجمالي للبحارة بقدر ما هي في توافر الكفاءات والرتب والتخصصات المطلوبة، ولا سيما ضباط السطح وضباط الهندسة البحرية الذين أفادت الشركات بأن العثور عليهم واستقطابهم بات أكثر صعوبة من استقطاب أفراد الطاقم في قسمي السطح والمحركات.
كما لا يُتوقع أن يتراجع الطلب على الكفاءات البحرية خلال السنوات المقبلة. ففي السيناريو الأساسي، يقدّر التقرير أن يصل الطلب العالمي بحلول عام 2030 إلى نحو 1,162,716 ضابطا و 1,558,973 بحارا من غير الضباط. ولتلبية هذا الطلب، يتعين زيادة أعداد البحارة المؤهلين والمتاحين للعمل عالميا، خلال الفترة من 2025 إلى 2030 التي يعتمدها التقرير، بنحو 22,747 ضابطا و 8,475 بحارا من غير الضباط سنويا، بما يعادل متوسط نمو سنوي يقارب 2% للضباط و 0.5% للبحارة من غير الضباط.
بالإضافة إلى ذلك، فقد أظهر التقرير أن أعلى نسب من الطلب العالمي على الضباط المؤهلين هي في سفن البضائع العامة 21.4% ، ناقلات البضائع السائبة 18.9% ، وسفن الرحلات البحرية السياحية 14%. أما فيما يتعلق بالبحارة من غير الضباط فقد كانت النسبة الأعلى في سفن الرحلات البحرية السياحية 22.5%، تلتها ناقلات البضائع السائبة 18.4% ، وسفن البضائع العامة 18% .
وعلى صعيد البحارة حول العالم، فقد تصدرت الفلبين والهند والصين وروسيا وإندونيسيا قائمة الدول التي أبلغت عن أكبر أعداد من البحارة في عام 2026. ويؤكد ذلك أن الدول التي استثمرت على مدى سنوات في التعليم البحري، والتدريب العملي، والاعتراف الدولي بالشهادات، استطاعت أن تحول العنصر البشري البحري إلى مورد اقتصادي ومهني مهم.
وتؤدي مستويات التدريب وجودته، إلى جانب الاتجاهات المتعلقة باستقطاب البحارة والاحتفاظ بهم، دورا أساسيا في التأثير في توازن العرض والطلب على القوى العاملة البحرية العالمية، حيث وجد التقرير أن عدد الطلاب الضباط المتدربين ارتفع منذ تقرير عام 2021، وقد بلغت نسبة الطلاب الضباط المتدربين إلى الضباط المؤهلين في عام 2026 نحو 1 إلى 3.8 ، مقارنة بنسبة 1 إلى 4.8 في عام 2021 S، و1 إلى 7.6 في عام 2015.
الجدير ذكره أن نمو الطلب على البحارة من مختلف الرتب وخاصة الضباط هو أمر مرتبط بمؤشرات توسع الأسطول التجاري العالمي، فالتجارة البحرية لن تتوقف رغم التغيرات التي حدثت وتحدث في سلاسل الإمداد.
لكن السؤال الوجيه الذي يطرح نفسه، كيف سيستطيع القطاع إقناع الشباب للانضمام إلى هذه المهنة وهي تتعرض للترهيب والاستهداف من البحر الأسود إلى البحر الأحمر والخليج العربي بالإضافة إلى القرصنة البحرية، حيث تشير البيانات المتاحة التي أمكن توثيقها إلى مقتل 47 بحارا وإصابة 95 آخرين منذ اندلاع الحرب هذا العام.
في الخلاصة، يهدد هذا الواقع الصعب والمخيف مهنة البحارة، ويفاقم أزمة النقص في أعدادهم، ويفرض تحديات متزايدة على سلامتهم وظروف عملهم واستدامة قطاع النقل البحري. كما يهدد مسارات التجارة والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية، وعليه يمتد التأثير والخلل إلى كل ميناء ومصنع وسوق ومنزل، فكل المسارات مترابطة ومتشابكة. ومن هنا، تصبح الدعوة مفتوحة وواجبة لإبعاد السفن التجارية والبحارة المدنيين عن ساحات الصراع، في عالم تبدو فيه مصالح الحروب أحيانا أهم من أي أمر آخر.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 103، يوليو/ سبتمبر 2026، لقاء بحري، ص. 7 |


