صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقاداته للمنظمة البحرية الدولية (IMO)، متهمًا إياها بالسعي إلى فرض رسم عالمي على انبعاثات الكربون الصادرة عن قطاع الشحن البحري، في موقف يعكس استمرار المعارضة الأميركية لإطار المنظمة الهادف إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة من السفن.
وخلال كلمته اليوم أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قال ترامب إن إدارته تدخلت خلال العام الماضي لمنع اعتماد ما وصفه بـ«ضريبة كربون عالمية»، مدعيًا أنها كانت سترفع تكاليف الشحن الدولي بنسبة تتراوح بين 10% و20%، وربما أكثر. وأضاف: «لا توجد حكومة عالمية، وما دمت رئيسًا، فلن تكون هناك ضرائب عالمية».
ويمثل الرقم الذي أورده ترامب تقديرًا سياسيًا صادرًا عن الإدارة الأميركية، ولم يُدعَم في الخطاب بدراسة اقتصادية مستقلة منشورة. كما أن وصف الإطار بأنه «ضريبة عالمية» يعكس الموقف الأميركي المعارض، بينما تصفه المنظمة البحرية الدولية بأنه منظومة تنظيمية تجمع بين معيار عالمي للوقود البحري وآلية لتسعير انبعاثات غازات الدفيئة.
إطار تنظيمي وليس ضريبة تقليدية
كانت لجنة حماية البيئة البحرية التابعة للمنظمة قد وافقت، في أبريل/نيسان 2025، على مشروع «إطار المنظمة البحرية الدولية لصافي الانبعاثات الصفري»، بوصفه تعديلات مقترحة على الملحق السادس من اتفاقية ماربول. ويتضمن الإطار عنصرين رئيسيين:
- معيارًا عالميًا يخفض تدريجيًا كثافة غازات الدفيئة في الوقود البحري طوال دورة حياته.
- آلية اقتصادية لتسعير الانبعاثات وعدم الامتثال للمستويات المحددة.
ويُفترض أن يطبق الإطار، بعد اعتماده ودخوله حيز النفاذ، على السفن العابرة للمحيطات التي تزيد حمولتها الإجمالية على 5,000 طن، وهي سفن مسؤولة عن أكثر من 85% من انبعاثات قطاع الشحن العالمي.
انقسام دولي وتأجيل الاعتماد
أظهرت المفاوضات انقسامًا واضحًا بين الدول الأعضاء. وقادت الولايات المتحدة والسعودية جانبًا مهمًا من المعارضة، بينما أيدت دول الاتحاد الأوروبي والبرازيل وعدد من الاقتصادات البحرية الكبرى المضي في الإطار، وإن اختلفت مواقفها بشأن مستوى الطموح وآلية التسعير وتوزيع الإيرادات.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، صوّتت غالبية الدول المشاركة لصالح تأجيل النظر في الاعتماد الرسمي لمدة عام، بعد حصول اقتراح التأجيل على 57 صوتًا مقابل 49، وسط ضغوط أميركية وتحفظات سياسية واقتصادية من عدد من الدول.
ولا يعني هذا التأجيل إسقاط الإطار نهائيًا. فقد استمرت المفاوضات الفنية خلال عام 2026، ومن المقرر عقد الاجتماع الثالث والعشرين للفريق العامل المعني بخفض انبعاثات السفن بين 23 و27 نوفمبر/تشرين الثاني، يليه اجتماع لجنة حماية البيئة البحرية MEPC 85 من 30 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 3 ديسمبر/كانون الأول. ومن المقرر استئناف الدورة الاستثنائية المعنية بالإطار في 4 ديسمبر/كانون الأول 2026، رهناً بتأكيد اللجنة.
تحرك تشريعي أميركي
على الصعيد الداخلي، قُدّم في الكونغرس الأميركي مشروع قانون يحمل اسم UNtaxed Act، في نسختين بمجلسي النواب والشيوخ. ويهدف المشروع إلى منع استخدام المساهمات الأميركية في تمويل أو تطبيق أي ضريبة كربون عالمية تفرضها الأمم المتحدة أو إحدى وكالاتها، وإلى عدم إخضاع المواطنين والشركات الأميركية لرسوم دولية مماثلة إلا ضمن اتفاق وافق عليه مجلس الشيوخ.
اختبار حاسم للعمل متعدد الأطراف
تكشف المواجهة الحالية عن تحدٍ أوسع يتجاوز الخلاف حول قيمة الرسوم أو آلية احتسابها. فمن جهة، يحتاج قطاع الشحن إلى إطار عالمي موحّد يحدّ من تعدد الأنظمة الإقليمية ويوفر وضوحًا للاستثمارات في السفن والوقود منخفضَي الانبعاثات. ومن جهة أخرى، تخشى دول وشركات عديدة من انتقال تكاليف الامتثال إلى أسعار الشحن والسلع، ومن عدم وضوح آليات إدارة الإيرادات وتوزيعها ودعم الدول النامية.
ومن المهم الإشارة إلى أن المنظمة البحرية الدولية لا تفرض قواعدها بصورة منفردة؛ إذ تتخذ القرارات من خلال حكومات الدول الأعضاء، وتصبح التعديلات ملزمة وفق الإجراءات القانونية لاتفاقية ماربول، ثم تتولى الحكومات الأطراف تنفيذها وإنفاذها.
وسيكون الاجتماع المرتقب في ديسمبر/كانون الأول 2026 اختبارًا حاسمًا لقدرة المنظمة على التوصل إلى صيغة تحافظ على الهدف البيئي، وتوفر اليقين التنظيمي لقطاع الشحن، وتعالج في الوقت نفسه المخاوف الاقتصادية والسيادية للدول الأعضاء.
كما ستجري هذه المفاوضات بعد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP31، المقرر عقده في أنطاليا بتركيا من 9 إلى 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ما يضع مستقبل تنظيم انبعاثات الشحن في قلب النقاش الدولي حول سياسات المناخ والتجارة والطاقة.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







