تجاوزت أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل مع اقتراب فصل الشتاء، في وقت لا تزال فيه آفاق الحرب في الخليج غير واضحة، بينما تتابع الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، تطورات أسعار الخام وانعكاساتها على الأسواق العالمية.
ذكرت صحيفة شرق الإيرانية إن توقعات بعض المؤسسات المتخصصة في تتبع ناقلات النفط تقول إن إمدادات النفط الخام الإيراني إلى أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وشبه الوحيد، أي الصين، شهدت انخفاضًا ملحوظًا حتى أواخر سبتمبر/أيلول. ومع ذلك، لم يتبادل دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، وشي جين بينغ، رئيس جمهورية الصين الشعبية، خلال لقائهما الأخير، سوى القليل من الحديث بشأن الحرب بين إيران وإسرائيل وأسعار النفط.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه إيران إلى إحياء المفاوضات من خلال طرح جديد مؤلف من سبع نقاط، فيما تتردد معلومات عن أن الصين طلبت من إيران خطوات تتعلق بفتح مضيق هرمز والعودة إلى المفاوضات. وعلى الرغم من كل ذلك، لا تزال آفاق المفاوضات أو استمرار الحرب، وكذلك وضع سوق النفط، أكثر غموضًا من أي وقت مضى خلال الأيام المقبلة.
هل تبحث الصين عن بديل للنفط الإيراني؟
كانت الصين، بعد فرض العقوبات، شبه المشتري الوحيد للنفط الإيراني، وقد صدّرت إيران إليها في بعض الفترات ما يصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا. لكن تقارير جديدة تشير الآن إلى انخفاض ملحوظ في صادرات النفط الإيرانية إلى الصين.
وبحسب البيانات الأولية لشركة «كبلر»، تراجعت واردات الصين من النفط الإيراني مقارنة بالعام الماضي، وبدأ هذا الاتجاه بعد اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط.
وانخفضت شحنات النفط الإيراني إلى الصين في يونيو/حزيران إلى 785 ألف برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى لها منذ فبراير/شباط 2023، ثم تراجعت في أغسطس/آب إلى 534 ألف برميل يوميًا، أي ما يقارب ثلث صادرات النفط الإيرانية إلى الصين قبل اندلاع الحرب.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ إن النفط الإيراني المصدر إلى الصين كان يُخزّن في الغالب في مخزونات موجودة خارج نطاق الحصار البحري، وهذه المخزونات بدأت الآن في الانخفاض سريعًا، في وقت يستمر فيه الحصار البحري. وتشير بيانات شركة «فورتكسا» إلى انخفاض كبير في واردات الصين من النفط الإيراني، وأن البلاد اضطرت في الوقت الحالي إلى استبدال النفط الإيراني الخاضع للعقوبات والمباع بأسعار مخفضة بمصادر أخرى. وتشتري الصين حاليًا كميات أكبر من النفط من السوق الحرة، وهو ما أسهم في ارتفاع أسعار النفط. ووفقًا لهذه المعطيات، اتجهت الصين بشكل أكبر إلى شراء النفط الخام من بحر الشمال، الذي تُحدد على أساسه أسعار خام برنت، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع سعر خام برنت.
الصين تحت ضغط النفط
شهد إجمالي واردات الصين من النفط انخفاضًا حادًا. حيث تستورد الصين حاليًا أقل بقليل من سبعة ملايين برميل من النفط يوميًا عبر البحر، وهو مستوى يقل عن متوسط شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب.
وقبل اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط، كانت الصين تشتري في المتوسط 10.5 ملايين برميل من النفط الخام يوميًا عبر الناقلات. وبدأت الصين منذ أبريل/نيسان في خفض وتيرة مشترياتها، لتصل وارداتها النفطية عبر البحر في يونيو/حزيران إلى أدنى مستوى لها خلال عشر سنوات، عند 5.8 ملايين برميل يوميًا. وخلال العام الحالي، اشترت الصين 600 مليون برميل أقل من النفط المنقول بحرًا مقارنة بمستويات وارداتها في عام 2025. وإذا واصلت بكين خلال الربع الرابع وتيرة الشراء المسجلة في سبتمبر/أيلول، فقد يصل إجمالي عجز الواردات بحلول نهاية العام إلى نحو مليار برميل.
ويأتي ذلك بعدما أفادت «رويترز» في وقت سابق بانخفاض طلبات الصين على النفط الإيراني في سبتمبر/أيلول، مع التأكيد في تلك التقارير على أن الصين تشتري حاليًا شحنات النفط الإيرانية الموجودة في مناطق خارج نطاق الحصار البحري، وهي مخزونات آخذة في التراجع.
وبحسب تقرير لـ«رويترز» نُشر في 26 أغسطس/آب 2026، تراجعت عروض بيع النفط الخام الإيراني للمشترين الصينيين وارتفعت الأسعار.
وقالت مصادر تجارية للوكالة إن الحصار الأمريكي أدى إلى انخفاض شحنات النفط الإيرانية، في وقت ألقت فيه تهديدات واشنطن بفرض مزيد من العقوبات بظلالها على السوق.
وأفادت أربعة مصادر تجارية مطلعة على السوق بأن عدد عروض بيع شحنات النفط الإيرانية المقرر تسليمها إلى الصين في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول انخفض مقارنة بشحنات يوليو/تموز وأغسطس/آب.
وبحسب المصادر، يعود ذلك إلى بيع جزء كبير من النفط الذي كان موجودًا في السابق على متن الناقلات.
ووفقًا لبيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع السفن، انخفضت صادرات النفط الإيرانية منذ منتصف يوليو/تموز، ولم تُسجل منذ ذلك الحين أي عمليات عبور مرئية لناقلات عملاقة محملة بالنفط الخام الإيراني عبر مضيق هرمز.
إلا أن العديد من السفن تعمد إلى إيقاف أجهزة تحديد مواقعها، ما يجعل عملية تتبعها أكثر صعوبة.
ويمثل هذا الضغط على الإمدادات تهديدًا لمصافي النفط الصينية المستقلة، المعروفة اصطلاحًا باسم «تيبوت» (Teapot). وتتركز هذه المصافي بشكل أساسي في مقاطعة شاندونغ شرقي الصين، وتمتلك نحو خمس طاقة التكرير الصينية، وتُعد أكبر مشتري النفط الخاضع للعقوبات.
كما أشارت الوكالة إلى أن ثلاثة مصادر تجارية أفادت بأن جزءًا من النفط الخام الإيراني، الذي يُباع عادةً بخصم، يُعرض حاليًا بسعر أعلى من عقود خام برنت الآجلة في بورصة ICE.
وقدّر أحد المصادر الزيادة بنحو دولارين للبرميل. ويمثل هذا التغير في الأسعار تحولًا كبيرًا، إذ كان النفط الإيراني الخفيف يُعرض في بداية الأسبوع نفسه بخصم يبلغ نحو ثلاثة دولارات مقارنة بخام برنت، وهو خصم قريب من المستوى المسجل قبل شهر.
وتظهر بيانات «كبلر» أن حجم النفط الخام الإيراني المخزن في مستودعات عائمة خارج نطاق الحصار الأمريكي انخفض من نحو 105 ملايين برميل قبل إعادة فرض الحصار إلى نحو 80 مليون برميل. وقدّر مصدران تجاريان أن نحو 30 مليون برميل فقط من النفط الخام الإيراني لا تزال موجودة في المياه الآسيوية، وهو ما يعادل تقريبًا نصف المستوى المعتاد.
وقدّر موييو شو، كبير محللي النفط الخام في شركة «كبلر»، وجود نحو 40 مليون برميل من النفط الإيراني على متن سفن موجودة في المياه الماليزية، شرق سنغافورة، مشيرًا إلى أن معظم هذه الكميات سبق أن وُعد بها مشترون. وكتب يوم الجمعة في منشور على موقع «لينكدإن»: «يشير هذا الوضع إلى أن المشترين قد يواجهون، على الأرجح، انعدامًا شبه كامل في الإمدادات الجديدة من النفط الإيراني اعتبارًا من أواخر سبتمبر/أيلول، إذ لم تتمكن أي ناقلة نفط إيرانية حتى الآن من عبور الحصار الأمريكي».
وأوضح المصدر نفسه أنه في ظل عدم وضوح إمدادات النفط الإيراني، اشترت إحدى مصافي «تيبوت» الصينية النفط الخام من حقل «لابا» في البرازيل. وقال مصدران إن بعض المصافي الأخرى تدرس أيضًا شراء النفط الخام من البصرة في العراق.
كما قال محلل نفط بارز لـ«رويترز»: «نظرًا إلى محدودية الوصول إلى النفط الإيراني في ظل الحصار الأمريكي، تبحث مصافي تيبوت الصينية الآن عن مصادر أخرى تتجاوز روسيا وإيران».
ومع ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار، بالتزامن مع اقتراب فصل الشتاء الذي يزداد فيه الطلب على النفط، قد يضع الولايات المتحدة تحت ضغط أكبر بسبب أي حرب في مياه الخليج. وفي المقابل، يمثل الانخفاض الكبير في واردات الصين من النفط، باعتبارها أكبر مستهلك للنفط في العالم، ورقة ضغط إضافية قد تدفع الصين إلى الخروج من موقفها المتحفظ تجاه الحرب.
كما أن الانخفاض الكبير في صادرات النفط الإيرانية يمثل عاملًا آخر قد يسهم في إعادة إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.






