فتح الرئيس الأميركي دونالد ترامب جبهة جديدة في حربه التجارية مع بكين، بعدما دخلت شركة بريطانية ناشئة متخصصة في بناء السفن التي تعمل بالطاقة النووية إلى الخطوط الأمامية في سباق تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى تحدي الهيمنة الصينية على قطاع الشحن البحري.
وتقود شركة "كور باور" البريطانية الجهود الأميركية لبناء أسطول من السفن التجارية التي تعمل بالوقود النووي، في مشروع تراهن عليه واشنطن لإحياء صناعة بناء السفن الأميركية وتوفير سوق جاهزة للصناعة النووية وفقاً لصحيفة التيلغراف البريطانية.
وتأسست الشركة في سنغافورة قبل انتقالها إلى لندن عام 2020، ويعمل فيها نحو 100 موظف. وتقول إنها تتمتع بخبرة فريدة خارج روسيا والصين في دمج المفاعلات النووية مع السفن التجارية. وسافر مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي النرويجي ميكال بويه إلى واشنطن الأسبوع الماضي لتوقيع اتفاق مدته 7 سنوات مع الإدارة البحرية الأميركية.
وقال بويه: "الصين لا تمتلك 75 عاماً من الخبرة في مجال الطاقة النووية في البحر كما تمتلك الولايات المتحدة. لكنها قادمة، وعلينا أن نتحرك قبلها". وأضاف: "يحتاج الغرب إلى قطاع بحري قوي، وإلا فإن أساس قوته البحرية سيتلاشى، وستتعرض رفاهيته واقتصاده وأمنه للخطر".
سفن نووية بسرعة 30 عقدة
ويهدف المشروع إلى إنتاج أسطول من السفن عديمة الانبعاثات قادر على الإبحار بسرعة تصل إلى 30 عقدة، أي ضعف سرعة السفن التجارية الحالية تقريباً، التي تسير عادة بسرعات منخفضة لتوفير الوقود.
ومن المقرر تجميع السفن في حوض نووي أميركي تديره "كور باور" باستثمارات تبلغ مليارات الدولارات. ومن المتوقع أن تبدأ الأعمال بحلول عام 2028، على أن تُسلّم أولى السفن في عام 2033.
وتراهن إدارة ترامب على أن المشروع يمكن أن يعيد إحياء صناعة بناء السفن الأميركية، في الوقت الذي يخلق فيه طلباً جديداً على الصناعة النووية.
ورغم أن الصين تطور بدورها تقنيات الدفع النووي البحري، فإن القطاع يمثل أحد المجالات القليلة التي ترى واشنطن أنها ما زالت تمتلك فيها تفوقاً كبيراً.
وتعمل المفاعلات الموجودة على متن السفن على تسخين المياه لإنتاج البخار، الذي يولد الكهرباء اللازمة لتشغيل المحركات، ما يوفر مصدراً دائماً للطاقة، ويمنح السفن ما وصفه بويه ب"سرعة مجانية".
سرعة أعلى وأساطيل أصغر
ويمكن للسفن النووية تقليص أوقات نقل مختلف أنواع الشحنات، من النفط والغاز إلى السلع الأساسية، بما يعزز أمن الطاقة في ظل التقلبات المستمرة في الشرق الأوسط.
وتبلغ تكلفة السفينة النووية نحو 700 مليون دولار، مقارنة بما يصل إلى 250 مليون دولار للسفينة التجارية الكبيرة، إلا أن سرعتها الأعلى ستتيح لها تنفيذ عدد أكبر بكثير من الرحلات.
كما يمكن لشركات الشحن تشغيل أساطيل أصغر، إذ تسمح السرعة الأعلى بنقل الحجم نفسه من البضائع باستخدام نحو 60% فقط من إجمالي حمولة الأسطول المستخدم حالياً في القطاع.
وقال بويه إن تكاليف الدفع النووي ستكون قادرة على المنافسة مع وقود السفن، الذي يتجاوز سعره 500 دولار للطن. وتراوحت الأسعار الأسبوع الماضي بين 660 دولاراً للطن في روتردام و824 دولاراً في لوس أنجلوس.
وتخطط "كور باور" لإنتاج دفعة أولى تضم ما يصل إلى 50 سفينة حاويات أو ناقلة للغاز الطبيعي المسال، مع إمكانية استخدام التكنولوجيا مستقبلاً في العبارات وسفن نقل السيارات وناقلات النفط والسفن السياحية.
ويقدر بويه أن إثبات الجدوى الاقتصادية للطاقة النووية مقارنة بالمحركات التقليدية سيفتح سوقاً لاستبدال نحو 8 آلاف سفينة خلال السنوات ال25 المقبلة.
بريطانيا مدعوة إلى المشروع
وقال بويه إن السفن الأولى يمكن أن تعمل على خطوط عبر المحيط الأطلسي، مضيفاً أن واشنطن منفتحة على مشاركة حلفائها، ومن بينهم بريطانيا، في المشروع، رغم أن السفن من غير المرجح أن تُبنى في المملكة المتحدة. وأشار إلى أن إدارة ترامب لعبت دوراً محورياً في تسريع خطط الشركة.
وقال: "إن السرعة التي جرى بها تطوير المفاعلات النووية والسياسة البحرية وخطة العمل لإعادة بناء قدرات صناعة السفن أمر مذهل".
وأضاف: "لا يمكنكم منافسة بكين وفق شروطها الخاصة، ولا يمكننا التفوق عليها في المزايدة. لكن يمكننا الجمع بين هذين الأمرين وإنشاء أول برنامج في العالم للدفع النووي البحري المدني، بما يفتح مجالاً جديداً تماماً للمنافسة مع الصين".
"كور باور" تقترب من اختيار مورّد المفاعلات
تعتزم الشركة الإعلان، في أقرب وقت الشهر المقبل، عن مورّد المفاعلات النووية لسفنها، فيما تُعد شركة "بي دبليو إكس تكنولوجيز" المرشح الأبرز.
وترتبط "كور باور" بالفعل بشراكة مع الشركة الأميركية، التي ساهمت في تطوير أول غواصة نووية أميركية خلال خمسينيات القرن الماضي، ضمن خطط لبناء محطات نووية عائمة لتوفير الطاقة للمجمعات الصناعية الساحلية.
ومن المتوقع اختيار موقع حوض بناء السفن النووية خلال الأشهر الستة المقبلة. وتُقدّر تكلفة إنشاء منشأة قادرة على إنتاج ثلاث سفن سنوياً بنحو 3 مليارات دولار، وقد ترتفع إلى 15 مليار دولار إذا توسعت المنشأة لإنتاج سفن للسوق العالمية.
ومن المقرر بناء هياكل السفن في اليابان أو كوريا الجنوبية، ثم نقلها إلى الولايات المتحدة لتزويدها بالمفاعلات والمحركات. وسيتولى الحوض نفسه عمليات الصيانة وإعادة تزويد المفاعلات بالوقود النووي عند استهلاك مخزون اليورانيوم.
تمويل جديد وخطط للتوسع
وجمعت "كور باور" تمويلاً بقيمة 200 مليون دولار، وتعتزم جمع 600 مليون دولار إضافية العام المقبل. ويضم مستثمروها الحاليون في الغالب شركات بناء السفن ومالكيها، بينما تستهدف الجولة المقبلة جذب شركات الأسهم الخاصة ورأس المال الجريء وشركات الطاقة.
كما أبرمت الشركة تحالفاً مع السلطات في مدينة كوربوس كريستي بولاية تكساس، أحد أكبر الموانئ الأميركية، لوضع خطط للبنية التحتية الجديدة التي ستحتاج إليها ناقلات النفط والغاز العاملة بالدفع النووي.
وقال بويه إن الباب "مفتوح على مصراعيه" أمام بريطانيا للمشاركة في هذا القطاع. وأضاف: "عندما بدأنا، كان هناك الكثير من التشكيك. لكننا بنينا زخماً وأصبح المشروع حديث القطاع".
وتابع: "من وجهة نظري، من شبه العبث ألا تولي اهتماماً لهذا الأمر. يمكن أن يكون محفزاً لإعادة تنشيط جزء هائل من الصناعة البريطانية". وختم قائلاً: "اخترنا بناء هذا المشروع من لندن، القلب النابض للصناعة البحرية. ونأمل أن يستيقظ أحدهم يوماً ما ويقول: نريد أن نكون جزءاً من هذا".
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







