أبرزت الحرب الجارية بين إيران والولايات المتحدة، وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، أهمية امتلاك دول المنطقة منافذ تجارية تقع خارجه. وكان ميناء خورفكان، على الساحل الشرقي للإمارات والمطل على خليج عُمان، في مقدمة هذه المنافذ، بعدما استقبل خلال أشهر قليلة أكثر من ثمانية أمثال حجم الحاويات الذي كان يتعامل معه أسبوعياً قبل الحرب.
لكن التحول الأهم لم يكن في عدد الحاويات وحده، بل في وظيفة الميناء نفسها. فبعدما كان خورفكان يُستخدم أساساً محطة لإعادة توزيع الشحنات إلى موانئ الخليج، أصبح بوابة تدخل عبرها الواردات مباشرة إلى السوق الإماراتية.
وتكشف الأزمة أن قيمة خورفكان لا ترتبط فقط بدوره الاستثنائي خلال الحرب، بل بقدرته على أن يصبح خط دفاع لوجستياً للاقتصاد الإماراتي، ومنفذاً يعمل بالتوازي مع جبل علي وموانئ الخليج العربي حتى بعد عودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز.
من محطة إعادة شحن إلى بوابة للسوق
قبل الحرب، كانت سفن الحاويات الكبيرة تصل إلى خورفكان وتفرغ جزءاً من حمولتها، قبل أن تتولى سفن أصغر نقلها إلى الموانئ الواقعة داخل الخليج.
لكن تعطل المرور عبر مضيق هرمز غيّر هذا المسار. فبدأت الشحنات تُفرغ في خورفكان، ثم تُنقل براً إلى المستودعات والأسواق ومراكز التوزيع في أنحاء الإمارات.
وبحسب تصريحات صحفية لفريد بلحباب، الرئيس التنفيذي لشركة «غلفتينر» المشغلة لمحطة حاويات خورفكان، ارتفع حجم المناولة الأسبوعية من نحو 8 آلاف حاوية نمطية قبل الحرب إلى ما يعادل 65 ألف حاوية، أي إلى أكثر من ثمانية أمثال مستواه السابق.
وفي مؤشر آخر على التحول، ارتفع عدد حاويات الاستيراد والتصدير المباشر من نحو ألفي حاوية أسبوعياً قبل الحرب إلى 50 ألف حاوية بحلول مطلع مايو، فيما قفز عدد الشاحنات المغادرة من الميناء من نحو 100 إلى قرابة 7 آلاف شاحنة يومياً. كما وظفت «غلفتينر» 900 عامل خلال أسبوعين لمواكبة النشاط المتسارع.
ولا يوجد تناقض بالضرورة بين الرقمين. فـ65 ألف حاوية تمثل إجمالي المناولة، بما يشمل الواردات وشحنات العبور وإعادة الشحن، بينما يشير رقم 50 ألفاً إلى حاويات الاستيراد والتصدير المباشر التي تدخل السوق الإماراتية أو تغادرها.
قدرة قائمة قبل الأزمة
يقول استشاري اقتصاد النقل الدولي وسلاسل الإمداد زياد الهاشمي، لـ«إرم بزنس»، إن موقع خورفكان خارج مضيق هرمز كان العامل الأول في قدرته على استقبال الحركة المحوّلة، إلى جانب أعماقه البحرية وتجهيزاته القادرة على التعامل مع سفن الحاويات الكبيرة.
كما ساهمت شبكة الطرق والخطوط السريعة في نقل الحاويات إلى مختلف أنحاء الدولة، سواء للاستهلاك المحلي أو لإعادة الشحن عبر موانئ أخرى، من دون توقف طويل في سلاسل الإمداد.
لكن الانتقال من مناولة حاويات العبور إلى تفريغ واردات كاملة يفرض ضغوطاً مختلفة على الميناء. فالحاوية لم تعد تنتقل فقط من سفينة كبيرة إلى سفينة أصغر، بل أصبحت تحتاج إلى إجراءات جمركية وساحات تخزين وشاحنات ونظام توزيع بري وتسليم نهائي.
ولهذا، فإن توسيع خورفكان لا يقتصر على زيادة الأرصفة أو معدات الرفع، بل يتطلب تطوير البوابات وساحات الحاويات والمستودعات، وإدارة حركة الشاحنات، وربط الميناء بمراكز لوجستية داخلية قادرة على استيعاب التدفقات الجديدة.
|
اقرأ أيضاً: الهيئة البحرية الأردنية تبحث مع نقابتي الملاحة واللوجستية سبل تنفيذ مخرجات اجتماع العقبة |
وتبلغ الطاقة الاستيعابية الحالية المعلنة للميناء نحو 3.5 ملايين حاوية نمطية سنوياً. وتستهدف «غلفتينر» رفعها في مرحلة أولى إلى 5 ملايين حاوية، ضمن خطة طويلة الأجل للوصول إلى أكثر من 10 ملايين حاوية خلال 36 شهراً.
وأعلنت الشركة برنامج استثمار يصل إلى ملياري دولار لتطوير منظومة متكاملة تشمل توسعة خورفكان، ومرافق لوجستية وموانئ جافة ومراكز تخزين داخلية في الشارقة، فيما تقدر كلفة المرحلة الأولى من تطوير الميناء بنحو 500 مليون دولار.
ويقول المحلل المالي محمد القمزي، لـ«إرم بزنس»، إن الأزمة جعلت خورفكان والفجيرة شريانين بديلين لاستمرار التجارة الإماراتية، لكنها أحدثت في الوقت نفسه تحولاً في وظيفة خورفكان تحديداً.
ويضيف أن الميناء «انتقل من الاعتماد على إعادة الشحن إلى بوابة فعلية تدخل منها البضائع إلى السوق الإماراتية»، معتبراً أن أهميته المستقبلية لن تقاس بعدد السفن والحاويات فقط، بل بدوره بوصفه خط دفاع لوجستياً لاقتصاد الإمارات.
وكانت «غلفتينر» قد قدّرت، في دراسة تشغيلية نشرتها عام 2023 عن الشحنات الآتية من باكستان، أن البضائع العابرة عبر خورفكان يمكن أن تصل إلى مستودعات المستلمين أسرع بأربعة إلى خمسة أيام في المتوسط مقارنة ببعض المحطات الأخرى في الإمارات، فيما يمكن لشركات الملاحة خفض نفقات شبكاتها بما بين 10% و12% نتيجة تقليل استهلاك وقود السفن.
وهذه التقديرات سبقت الحرب ولا تقيس ظروف الازدحام الحالية، لكنها توضح الميزة اللوجستية التي سمحت باستخدام خورفكان جسراً برياً إلى الأسواق، لا محطة لإعادة الشحن فقط.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







