قد لا يحتاج اللغم البحري إلى إصابة سفينة حتى يعطل حركة التجارة العالمية. ففي مضيق هرمز، كان مجرد التهديد بوجود ألغام كافياً لإثارة حالة من عدم اليقين في قطاع النقل البحري بأكمله، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين وتأخير الشحنات على طول أهم الممرات التجارية. وبالنسبة لملاك السفن ومشغليها وشركات التأمين، لا تكمن المشكلة في وجود الألغام فحسب، بل في الوقت اللازم للتأكد من أن هذه الممرات البحرية الحيوية أصبحت سالمة للملاحة.
ويبدأ هذا التحدي من قاع البحر، حيث يتطلب اكتشاف الألغام في المياه العميقة والمناطق الساحلية تقنيات متخصصة وخبرة تشغيلية وقدرة على تنفيذ أعمال المسح البحري بدقة وموثوقية.
وعلى مدى عشرين عاماً، طورت شركة Greensea IQ تقنيات بحرية ذاتية التشغيل لدعم العمليات البحرية المعقدة. ومنذ عام 2014، عملت الشركة على تطوير واختبار وتشغيل حلول للتخلص من الذخائر المتفجرة بالتعاون مع البحرية الأمريكية. واليوم، تُعد المركبة الروبوتية البرمائية الزاحفة تحت الماء Bayonet الروبوت التجاري الوحيد الجاهز لتنفيذ مهام مكافحة الألغام البحرية، بدءا من الشاطئ وصولاً إلى أعماق قاع البحر.
وتكمن الصعوبة في أن الألغام البحرية نادراً ما تكون أهدافاً سهلة الاكتشاف، إذ يمكن أن تنفجر نتيجة أي اضطراب في محيطها أو تُفجَّر عن بُعد، كما قد تكون مدفونة بالكامل أو مموهة ضمن تضاريس قاع البحر. وفي جميع الأحوال، لا بد أولاً من اكتشاف اللغم وتحديد موقعه بدقة قبل اتخاذ أي إجراء.
ويتطلب ذلك استخدام أجهزة استشعار متطورة ومعدات متخصصة إضافة إلى وقت طويل لإجراء أعمال المسح البحري. وبعد تحديد التهديد، يجب تحديد موقعه بدقة قبل بدء عمليات تحييده أو، عند الضرورة، استعادته بسلامة لأغراض استخباراتية.
تعقيدات مضيق هرمز
لا تحتاج أي دولة إلى زرع آلاف الألغام لتعطيل التجارة العالمية، إذ إن عدداً محدوداً منها إذا وُضع في مواقع استراتيجية يكفي لإثارة حالة من عدم اليقين تؤدي إلى تأخير حركة النقل البحري، وارتفاع أسعار السلع، وزيادة أقساط التأمين، وإجبار السفن على تغيير مساراتها، واستنزاف الموارد البحرية العسكرية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الألغام البحرية الحديثة أصغر حجماً وأكثر تطوراً وصعوبة في الاكتشاف، مما يزيد من تعقيد عمليات التطهير ويؤكد الحاجة إلى أنظمة ذاتية متقدمة قادرة على العمل في مثل هذه الظروف.
وفي الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، يبدأ الأثر الاقتصادي والتشغيلي لحقل الألغام حتى قبل انتشال أول لغم. وتزداد صعوبة الوضع بسبب الطبيعة الجغرافية للمضيق، حيث يضم الممر الملاحي الضيق بيئة بحرية متنوعة، بينما تؤدي التيارات القوية في المياه الضحلة، إلى جانب الكثبان الرملية والصخور وكثافة الحركة البحرية، إلى تراكم كميات كبيرة من الحطام، ما يجعل قاع البحر مليئاً بالأجسام التي قد تخفي التهديدات المحتملة.
وفي هذا السياق، بدأت الأنظمة الذاتية، مثل المركبة الروبوتية البرمائية الزاحفة تحت الماء Bayonet (AUGV) التي طورتها Greensea IQ، في تغيير قواعد اللعبة.
واعتمدت عمليات مكافحة الألغام البحرية تاريخياً بشكل كبير على الغواصين، ورغم استمرار أهميتهم، فإن قدراتهم تبقى محدودة بعوامل مثل مدة البقاء في القاع، ومتطلبات إزالة الضغط، ودرجة حرارة المياه، والإجهاد، وضعف الرؤية، ومعدات دعم الحياة.
وفي هذا السياق، قال Dennis Doan، مدير منتجات التخلص من الذخائر المتفجرة في Greensea IQ وكبير خبراء التخلص من الذخائر المتفجرة المتقاعد من البحرية الأمريكية: "يمثل الغواصون قدرة استثنائية، لكن ينبغي أن يكونوا آخر عنصر يتم إرساله إلى حقل ألغام وليس أوله. ويُعد مضيق هرمز واحداً من أخطر بيئات حرب الألغام في العالم، إذ يجمع بين كثافة حركة النقل البحري، وضحالة المياه، والتيارات القوية، وضعف الرؤية، ووجود خصم يمتلك قدرات متقدمة، وهو ما يجعل الأنظمة الذاتية توفر مزايا هائلة."
الغواصون والأنظمة الذاتية... تكامل يعزز السلامة
وتستطيع مركبة Bayonet AUGV العمل لساعات متواصلة، مع جمع بيانات المسح البحري بصورة مستمرة دون تعريض الأفراد للمخاطر التي يواجهها الغواصون. ويؤدي الجمع بين هذه الأنظمة والقدرات البشرية إلى توسيع نطاق التغطية، وتسريع عمليات التقييم، وتقليل المخاطر على الأفراد.
كما توفر الأنظمة الذاتية مستوى عالياً من الاتساق في جمع البيانات يصعب تحقيقه بالاعتماد على عمليات الغوص وحدها. وقد طورت Greensea IQ منصة برمجية مفتوحة البنية توحد الروبوتات البحرية وأجهزة الاستشعار وأدوات تنفيذ المهام ضمن بيئة تشغيل واحدة مصممة خصيصاً لعمليات إزالة الألغام البحرية. وقد استخدمت البحرية الأمريكية هذه الواجهة التشغيلية لما يقرب من عقد من الزمن، كما يمكن دمجها مع أي نظام غير مأهول.
وتتيح واجهة التشغيل، المصممة وفق متطلبات المهمة، إنشاء خرائط عالية الدقة لقاع البحر، وتسجيل صور السونار، وحفظ بيانات الفيديو وأجهزة الاستشعار، إضافة إلى مقارنة البيانات بمرور الوقت.
مرونة تشغيلية من الشاطئ إلى أعماق البحر
وفي البيئات المعقدة مثل مضيق هرمز، حيث تنخفض الرؤية وتكون التيارات غير مستقرة ويزداد تعقيد تضاريس قاع البحر، تعتمد مركبة Bayonet AUGV بشكل رئيسي على السونار للكشف عن الأهداف، نظراً لأن الموجات الصوتية تنتقل في المياه لمسافات أبعد من الضوء. كما طورت Greensea IQ خوارزميات قائمة على التعلم الآلي تساعد في اكتشاف الأهداف باستخدام الذكاء الاصطناعي، من خلال التعرف على الأشكال الصناعية التي قد تشير إلى وجود ألغام أو أجسام مشابهة لها.
وبالاعتماد على هذه البرمجيات الذكية، توفر مركبة Bayonet AUGV مرونة وسهولة أكبر في تنفيذ المهام، إذ يمكن إطلاقها من الشاطئ أو مباشرة من السفن، ثم الانتقال ذاتياً من المناطق الساحلية إلى قاع البحر. وفي منطقة ترتبط فيها سرعة اكتشاف الألغام وإزالتها بشكل مباشر باستمرار حركة التجارة العالمية، تمثل الأنظمة الذاتية حلاً أكثر سلامة وكفاءة لفهم التهديدات الكامنة تحت سطح البحر والحد من مخاطرها.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







