فتح السودان أبواب الاستثمار في الموانئ البحرية، في ظل معادلة صعبة تجمع بين الفرص والمخاطر؛ إذ يسعى لتطوير أصوله البحرية عبر شراكات استراتيجية دون التفريط في سيادته، وهو ما يتجلى في التعاون مع الصين لإنشاء ميناء جديد في منطقة أبو عمامة لتصدير المعادن. غير أن غياب الشفافية والمخاوف من ارتهان الديون يضعان الخرطوم أمام تحدي حماية مقدراتها القومية، وتجنب أتون التجاذبات الدولية.
وبدأت هيئة الموانئ البحرية توسيع شراكاتها الاستراتيجية لتطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة التشغيل لاستقبال الاستثمارات؛ إذ اتفقت مع شركة جيك (CHEC) الصينية للدخول في شراكات استراتيجية بمجال الموانئ، وأعلنت رسمياً بدء الخطوات التنسيقية والتنفيذية لإنشاء ميناء جديد شمال مدينة بورتسودان، بالتعاون مع شركات صينية عالمية متخصصة في إدارة الموانئ وبنائها، لتخصيصه لصادرات المعادن السودانية.
يأتي ذلك في وقت حذّرت فيه أطرافٌ من خطر الوقوع في أتون الصراع الدولي حول الموانئ السودانية، وتحويل المنشآت البحرية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بينما رأى آخرون أهمية فتح مسارات عالمية جديدة للتجارة الدولية، مؤكدين في الوقت ذاته أن غياب الشفافية قد ينسف المشروعات الاستثمارية قبل انطلاقها.
ضد خصخصة موانئ السودان
قال نائب المدير العام لهيئة الموانئ البحرية، حسن جعفر، الاثنين الماضي، إن الدولة رفضت على أعلى المستويات أي توجه لخصخصة الموانئ، مشيراً إلى وجود جهات طرحت هذا الاتجاه في وقت سابق. وأوضح أن الأفكار المطروحة بشأن الشراكات لا تتجاوز في هذه المرحلة إطار المقترحات، مؤكداً أن أي خطوة في هذا المسار تخضع لقرارات مدروسة تتخذها الدولة والجهات المختصة. وأعلن جعفر أن السودان باشر فعلياً خطوات إنشاء ميناء جديد في منطقة أبو عمامة على ساحل البحر الأحمر، بالتعاون مع شركة صينية عالمية متخصصة في إدارة وتطوير الموانئ.
ولا يزال السودان يصرّ على الملكية الحكومية الكاملة للموانئ البحرية، مع تأكيده فتح باب الشراكات الاستراتيجية مع الشركات العالمية وفق مبدأ المصلحة المشتركة. وفي السياق ذاته، أكد عضو مجلس السيادة السوداني، إبراهيم جابر، فتح الباب أمام الاستثمارات الجادة، وبناء شراكات تعود بالنفع على الجميع، عبر تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة على ساحل البحر الأحمر، بتطوير الموانئ القائمة وتوسعتها، وإقامة موانئ ومناطق حرة جديدة.
من جهته، قال المختص في شؤون الموانئ والمسؤول بهيئة الموانئ البحرية، عوض الباري، لـ"العربي الجديد"، إن إدارة الميناء اتفقت مع شركات صينية لإنشاء ميناء جديد متكامل مختص بصادرات المعادن، لا سيما أن الميناء يقع شمالي بورتسودان، بمحلية حلايب، التي تضم مربعات تعدينية ضخمة، خاصة في منطقتي فودكوان وأبو كوان. وأضاف أن الميناء المقترح في أوسيف أُنشئ فيه رصيف قبل ست سنوات، وهو مؤهل ليكون منصة متكاملة لصادرات المعادن ذات المستقبل الواعد؛ مشيراً إلى اكتمال جميع الدراسات بإدارة المشروعات في الهيئة، تحت إشراف مباشر من إدارة الميناء.
ثروات جبال فودكوان
وأوضح الباري أن المعدن الأساسي والأبرز المخطط لتصديره عبر ميناء أوسيف هو خام الحديد، نظراً لوقوع الميناء على بُعد 16 كيلومتراً فقط من جبال منطقة فودكوان، الواقعة في الجزء الشمالي من جبال البحر الأحمر (غربي مرسى أوسيف بالقرب من الحدود المصرية)، وهي مناطق غنية جداً بالرواسب والتكوينات التعدينية. وتُعد جبال فودكوان أحد أهم المواقع لإنتاج خام الحديد في السودان، وتقع ضمن الشريط الساحلي القريب من منطقة قرورة.
ويُقدَّر الاحتياطي المعدني بمنجم جبل فودكوان بحوالي 5.4 ملايين طن من خام الحديد عالي الجودة، علماً أن السودان كان يصدر خام الحديد سابقاً إلى يوغوسلافيا قبل عام 1967.
وإلى جانب خام الحديد، أكد الباري أن الهيئة تستهدف، عبر خطة التطوير الحالية مع الجانب الصيني، تهيئة الميناء ليكون المنفذ السيادي لتصدير باقة من خامات المعادن الجبلية والبضائع السائبة (الصب) التي تزخر بها ولاية البحر الأحمر.
بدوره، قال الخبير في مجال الموانئ، أحمد سيد، إن الهدف الرئيسي من الاتفاق والتعاون المشترك مع شركة جيك الصينية في ميناء أوسيف هو إعادة تأهيل الميناء وتشغيله وتطويره، ليكون المنصة السيادية الأولى لتصدير المعادن السودانية، فضلاً عن تنمية الساحل الشمالي لولاية البحر الأحمر، والاستفادة
من القرب الجغرافي من مناطق الإنتاج الجبلي الغنية بالحديد، والنحاس، والذهب.
وأضاف أن الشركة الصينية تعمل على تقييم وتطوير رصيف الميناء الحالي، وتحديث آليات المناولة والرفع، لتمكينه من استقبال سفن نقل البضائع السائبة الكبيرة بكفاءة عالية، مشيراً إلى أن المشروع يهدف إلى توفير فرص عمل لأبناء المنطقة، وفتح الباب أمام تجارة الحدود، وتطوير قطاع الخدمات المساندة عبر شراكة استثمارية مستدامة تحت الإشراف المباشر لهيئة الموانئ البحرية السودانية.
تحذيرات من الصراع والديون
في المقابل، يرى مختصون واقتصاديون أن تشغيل الميناء الجديد عبر شركات صينية قد يعرض البلاد لمخاطر مستقبلية، لا سيما في ظل التنافس المحموم على الموانئ السودانية، بعد رفض الخرطوم منح الإمارات ميناء أبو عمامة، إلى جانب الصراع الإقليمي والدولي على معادن السودان.
وقال مصدر مطلع بقطاع المعادن السوداني، فضّل عدم ذكر اسمه، إن دخول الصين شريكاً في تطوير ميناء أوسيف يأتي متسقاً مع توغل شركات صينية في التنقيب عن المعادن بشرق السودان (خاصة النحاس والحديد والمنغنيز)، مؤكداً وجود اتفاقات غير معلنة بين الجانبين في هذا المجال. وأضاف أن هذا الاحتكار "الإنتاجي - التصديري" قد يحرم السودان عاجلاً أم أجلاً من حرية التصرف في معادن الشرق، فضلاً عن مخاوف تراكم الديون التي قد تؤدي لآلية ارتهان الميناء لصالح الشركات الصينية، متسائلاً عن أسباب تكتم الحكومة والهيئة عن إعلان القيمة المالية للاتفاق.
وحذّر المصدر من أن التنافس بين الصين والولايات المتحدة على ساحل البحر الأحمر قد يثير مخاوف تحويل الميناء إلى أغراض أخرى تضع السودان في قلب الصراع الدولي، مشدداً على ضرورة إرساء مبدأ الشفافية لتجنيب الموانئ المخططات الجيوسياسية.
من جانبه، قال خبير العلاقات الدولية، إسحاق إبراهيم، لـ"العربي الجديد"، إن الشركات الصينية لا تدخل استثماراً إلا بشروطها المجحفة أحياناً، ولذا فإن الجانب السوداني قد لا يحقق المكاسب المرجوة، لكون الاتفاق يخدم مصلحة بكين بالدرجة الأولى. وأوضح أن الاستفادة المادية للعمالة المحلية ستكون محدودة، لأن الشركات الصينية تعتمد كلياً على مهندسين وتقنيين ومعدات وسلاسل توريد صينية، ما يقلّص فرص استيعاب العمالة السودانية أو نقل الخبرات إليها.
على النقيض، يرى الخبير الاقتصادي، بابكر التوم، أن المشروع سيعود بفوائد جمة على السودان وولايتي البحر الأحمر والخرطوم، عبر إتاحة فرص التوظيف والتدريب، وزيادة الفرص الاستثمارية، وتسهيل حركة الصادرات والواردات، وجذب الاستثمارات للبلاد لنقل منتجاتها إلى دول الجوار.
ولفت التوم إلى أن الميناء يربط بين دول الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وغربها، مشيراً إلى أن الصين ترتبط بموانئ البحر الأحمر عبر شبكة واسعة من المشاريع اللوجستية، ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، لتأمين خطوط التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.






