بينما انصب الاهتمام العالمي خلال الأشهر الماضية على مضيق هرمز، الذي أبقته إيران مغلقًا فعليًا منذ أواخر فبراير/شباط، في خطوة عطلت إمدادات الطاقة العالمية، كانت تطورات أخرى، أقل صخبًا ولكنها لا تقل أهمية، تتشكل في جنوب شرق آسيا.
ففي 14 أبريل/نيسان، أعلنت الولايات المتحدة وإندونيسيا إقامة «شراكة كبرى للتعاون الدفاعي»، في خطوة تعزز العلاقات العسكرية بين البلدين، في منطقة تضم عدد من أهم الممرات البحرية في العالم، وفي مقدمتها مضيق ملقا، أحد أبرز نقاط الاختناق في حركة الملاحة والتجارة العالمية، تزامنا مع أزمة مضيق هرمز.
ومع تعثر التوصل إلى تسوية حول مستقبل مضيق هرمز، وطرح مقترح تدرسه إيران وسلطنة عُمان لفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، سُلط ذلك الضوء مرة أخرى على واحدة من أكثر نقاط الضعف الاستراتيجية استمرارًا في العالم.
بين هرمز وملقا
يُعد مضيقا هرمز وملقا من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، مع اختلاف السياقات التشغيلية والسياسية والقانونية التي تحكم كلًا منهما بصورة جوهرية.
إذ يحمل مضيق ملقا نحو 23 مليون برميل من النفط يوميًا، ويمر عبره ما يقارب ثلث التجارة العالمية، فيما تعبره نحو 100 ألف سفينة سنويًا.
ويتولى إدارة المضيق بصورة مشتركة كل من سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا من خلال آليات تعاون إقليمية.
أما مضيق هرمز، فقد كان ينقل، قبل اندلاع الصراع الأخير مع إيران، نحو 21 مليون برميل من النفط يوميًا، ويُعد المنفذ البحري الوحيد إلى الخليج، ما يمنح إيران وسلطنة عُمان نفوذًا استراتيجيًا أكبر، في ظل غياب مسارات بحرية بديلة عملية.
ويمتد مضيق ملقا لنحو 900 كيلومتر، ويربط أوروبا والشرق الأوسط بشرق آسيا، بينما يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط المتجهة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
كما يمثل أهمية خاصة للصين، إذ يمر عبره ما بين 75% و80% من وارداتها النفطية، وهو ما يعرف في الأوساط الصينية بـ«معضلة ملقا».
رسوم العبور
ورغم الحديث عن استلهام تجربة مضيق ملقا، فإن السفن لا تدفع أي رسوم إلزامية لعبوره، وإنما تسدد مقابل خدمات اختيارية، مثل الإرشاد البحري، والقطر، والمساعدة الملاحية.
وسبق أن طُرح مقترح لفرض مساهمات طوعية على السفن العابرة في ملقا، لكنه تطور لاحقًا إلى إنشاء صندوق مساعدات الملاحة، الذي يمول تطوير البنية التحتية الملاحية من خلال مساهمات طوعية تقدمها الدول الأكثر استخدامًا للمضيق.
وفي المقابل، ناقش مسؤولون إيرانيون وعُمانيون فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.
وفي وقت سابق، اقترحت سلطنة عُمان أن تتولى، مع إيران، تحصيل هذه المدفوعات، إلا أن المقترح لم يتم التوافق عليه.
واليوم، قدمت عُمان مقترحًا لإيران بشأن آلية إقليمية مشتركة لإدارة مضيق هرمز برسوم طوعية، بحسب مسؤول لرويترز،، فإن إيران لن تمارس سيطرة منفردة على مضيق هرمز بموجب المقترح.
بينما أكد مسؤول إيراني أنها ستكون إلزامية.
وأضاف المصدر أن المقترح العُماني يحظى بدعم إقليمي، مشيرًا إلى أنه مستوحى من النهج المتبع في مضيق ملقة، حيث يساهم مستخدموه طوعًا في تمويل عمليات الملاحة وحماية البيئة والبحث والإنقاذ.
صعوبة التطبيق
كان السبب الذي يمنع الدول الساحلية لمضيق ملقا -وينطبق أيضًا على مضيق هرمز- من فرض رسوم على السفن العابرة يعود إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، المعروفة أيضًا باسم «دستور البحار».
فبالنسبة للمضائق الطبيعية المستخدمة للملاحة الدولية، التي تربط بين بحار مفتوحة، مثل مضيقي ملقا وهرمز، تكفل الاتفاقية حق «المرور العابر».
ويمنح هذا الحق السفن حرية العبور من دون تأخير، ولا يجوز للدول الساحلية منع هذا المرور أو عرقلته.
ويكمن الجانب المهم هنا في أن حظر فرض الرسوم ينطبق على العبور ذاته، بينما يجوز تحصيل مقابل الخدمات التي تُقدم بصورة منفصلة عن المرور، مثل دخول الموانئ، والتزود بالوقود، وإجراء الإصلاحات، أو الاستعانة بمرشدين بحريين بصورة اختيارية.
وبالتالي، لا يجوز فرض رسم موحد على السفن لمجرد عبورها المضيق، وهو ما أكدته المنظمة البحرية الدولية، إذ أشارت إلى إمكانية إنشاء آلية تمويل طوعية، في حين سيكون من الصعب التوفيق بين المدفوعات الإلزامية والقواعد الدولية المعمول بها.
اتفاقيات تاريخية
يختلف وضع القنوات الاصطناعية عن المضائق الطبيعية اختلافًا جوهريًا، إذ إن إمكانية فرض رسوم تعتمد على النظام القانوني الدولي الذي يحكم كل ممر مائي، ويمكن تقسيم هذه الأنظمة إلى ثلاث فئات رئيسية.
أولًا، القنوات الاصطناعية، مثل قناة السويس وقناة بنما، وهي ممرات مائية تديرها هيئات وطنية تحدد رسوم العبور وفقًا للأطر القانونية الخاصة بها.
ففي قناة السويس، تتولى هيئة قناة السويس تحديد الرسوم. أما اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، فقد أرست مبدأ فتح القناة أمام جميع الدول من دون تمييز بين أعلام السفن، لكنها لا تحظر فرض رسوم العبور.
ومع ذلك، فإن هذه الإيرادات ليست بمنأى عن المخاطر، إذ انخفضت إيرادات القناة بصورة حادة من نحو 10.2 مليارات دولار عام 2023 إلى نحو 4 مليارات دولار عام 2024، نتيجة الهجمات على السفن في البحر الأحمر، بحسب هيئة قناة السويس.
والفئة الثانية تضم المضائق التي لا تزال تخضع لاتفاقيات أُبرمت قبل دخول اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حيز التنفيذ، مثل المضائق التركية، حيث ما زالت تلك الترتيبات التاريخية سارية، وتتيح للدول الساحلية فرض بعض الالتزامات في إطارها.
أما الفئة الثالثة، فتشمل المضائق الدولية التي يقوم تنظيمها على مبدأ «المرور العابر» المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والذي أصبح أيضًا قاعدة راسخة في القانون الدولي العرفي.
ويندرج كل من مضيقي ملقا وهرمز ضمن هذه الفئة، ولذلك لا يجوز فرض رسوم موحدة على السفن مقابل المرور ذاته.
وبينما تجاوز مضيق ملقا إلى حد بعيد إشكالات الإدارة ورسوم العبور، لا يزال مستقبل مضيق هرمز غير واضح، في وقت تواصل فيه واشنطن وطهران مفاوضاتهما بشأن ملفات خلافية معقدة، بما يجعل مصير هذا الشريان البحري الحيوي رهينًا بمآلات تلك المباحثات وتوازنات المنطقة.
المصدر: الغد
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







