خلال مقابلة مع رجل الأعمال البارز وأحد نخبة ملاك السفن السوريين، مؤسس ورئيس غرفة الملاحة البحرية السورية سابقا، الأستاذ عبد القادر صبرا، في إحدى حلقات برنامج Assafina Podcast، تحدث صبرا عن التاريخ العريق لعائلته في القطاع البحري، واستعرض رحلته الشخصية في هذا المجال، وأبرز إنجازاته، والتحديات التي واجهها. كما تطرق أيضا إلى دوره في اعتماد الشهادات البحرية السورية من قبل المنظمة البحرية الدولية، بالإضافة إلى جهوده في استصدار مرسوم يتيح للقطاع الخاص العمل في مجال الوكالات البحرية. كما ناقش تأثير نظام الحكم السابق على تطور القطاع البحري السوري، وتوقعاته لمستقبل هذا القطاع في ظل المرحلة الجديدة التي تمر بها سوريا.
كعائلة تعود جذورها إلى جزيرة أرواد، حدثنا عن تاريخ العائلة في قطاع النقل البحري من جيل الأجداد إلى اليوم؟
يعود تاريخ جدنا المؤسس، الحاج محمد صبرا، إلى الحرب العالمية الأولى، حيث ترك لنا أسطولا من السفن الخشبية التي كانت شراعية حينها، ثم قام ببناء أول سفينة تعمل بالمحرك البخاري. كانت هذه السفن الخشبية تعمل بين موانئ تركيا ولبنان وسوريا وقبرص وفلسطين، وكانت تنقل مختلف أنواع البضائع. قام الحاج محمد صبرا بتأسيس أول تجمع بحري في ذلك الحين، تحت اسم الجمعية البحرية الخيرية الأروادية في جزيرة أرواد عام 1930. كانت الغاية من هذه الجمعية إعانة الفقراء من أبناء جزيرة أرواد وتعليم أبنائهم على الحساب الخاص للأعضاء المؤسسين، الذين كانوا جميعهم من أعيان جزيرة أرواد. وكان للجد مكاتب وإدارات في طرابلس اللبنانية، وكان شريكه وأخوه، جدي عبد القادر صبرا، مستقرا في جزيرة أرواد. كما حصل جدنا المؤسس الحاج محمد صبرا على ميدالية الاستحقاق اللبناني عام 1949 من الرئيس اللبناني في ذلك الحين بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح.
بعد رحيل جيل الأجداد، استمرت العائلة في العمل مع والدي الراحل، الذي أسس وكالة بحرية عام 1955، وكان وكيلا متعهدا لشركة نفط العراق، التي كان لها فرع في طرابلس، لبنان. في عام 1955، كان والدي يعمل كوكيل بحري، وأسس غرفة الملاحة السورية وكان عضوا فيها. ثم انتقلت أعمال العائلة إلى الجيل الثالث، حيث قمت بمتابعة أعمال وكالة والدي الراحل منذ بداية حياتي، لهذا فنحن نعتبر عائلة بحرية منذ نعومة أظافرنا.
ما هي أبرز المحطات التي كان لها تأثير كبير على القطاع البحري السوري خلال المرحلة السابقة؟
في عام 1980، تم تأميم وحصر التوكيلات البحرية في شركة التوكيلات الملاحية، وهي شركة مملوكة للقطاع العام في ذلك الوقت، وبين عامي 1978 و1980، كنت وكيلا لخط ملاحي للعبارات من اليونان إلى طرطوس، وكان هذا الخط يقوم بنقل الشاحنات القادمة من أوروبا إلى ميناء طرطوس. كانت عملية حصر الوكالات البحرية في شركة التوكيلات الملاحية فترة سوداء في تاريخ العمل البحري السوري، لأن الوكيل يجب أن يقوم بخدمة صاحب السفينة، وتسليم البضائع، والحفاظ على مصالحه. لكن القطاع العام لم يكن مهتما بهذه الأمور، مما أدى إلى نقص في البضائع ورفع دعاوى قضائية من أصحاب البضائع. كما قامت نوادي الحماية والتأمين بتقديم نصائح للسفن بعدم شحن البضائع إلى سوريا نتيجة القضايا الجمركية والغرامات. لهذا، كان الوضع سيئا جدا، حيث انكفأت العديد من الخطوط الملاحية عن سوريا خلال الثمانينيات.
كيف تعاملتم مع هذه المسألة في ذلك الحين؟
في عام 2003، تشكلت لجنة في اتحاد غرف التجارة السورية نتيجة كثرة الشكاوى من أصحاب البضائع والمستوردين السوريين بسبب ارتفاع التكاليف، حيث تسببت هذه الوكالة في ضرر كبير للتجار والمستهلكين. اجتمعنا حينها مع مجلس الوزراء السوري. كان على رأس شركة التوكيلات البحرية أحد أكبر الفاسدين في سوريا، عماد الأسد، وهو أحد أقارب رئيس النظام السابق. خلال الاجتماع الذي عقدناه مع مجلس الوزراء، طالبنا بمنح القطاع الخاص التراخيص اللازمة لمزاولة أعمال الوكالات البحرية، إلا أن عماد الأسد دافع عن بعض الشعارات الشعبوية، فقلت له حينها: "أنت لا تدافع عن المصلحة الوطنية، بل عن مصالحك الخاصة."
بعد هذا اللقاء، تم السماح للوكالات الخاصة بالحصول على تراخيص الوكالات البحرية، ولكن برسوم مرتفعة جدا. بالطبع شعرت بالخوف حينها، لكنني كنت مندفعا لأن المسألة كانت تتعلق بالمصلحة الوطنية وبإرث العائلة. ولكن، لحسن الحظ، كانت الفترة من 2000 إلى 2010 مرحلة سعى فيها النظام إلى تحسين صورته، وبدأ القطاع الخاص بالتنفس بشكل مقبول، رغم أن الخوف كان موجودا دائما.
كيف أثرت طريقة حكم النظام السابق على تطور القطاع؟
إن السياسات التي اتبعها النظام السابق شابها العديد من العوائق التي أدت إلى إعاقة توسع الأسطول السوري وتسجيل السفن تحت العلم السوري. من أجل مواجهة هذه التحديات، تأسست غرفة الملاحة البحرية السورية، كمنظمة غير حكومية تدافع عن ملاك السفن، والوكلاء البحريين، والعاملين في قطاع النقل البحري السوري، بعد غياب هذه المؤسسات عن سوريا لما يقارب خمسة عقود. كان أول إنجاز للغرفة هو صدور مرسوم يسمح بتسجيل السفن، إذ كان من المستحيل سابقا تسجيل السفن السورية، حيث كان يتوجب إحضار السفينة إلى الموانئ السورية لتسجيلها، وهو أمر معقد.
بعد جهود كبيرة، نجحنا في إصدار مرسوم يسمح بتسجيل السفن كما هو معمول به في دول المنفعة، مع تفويض هيئات التصنيف بإصدار الشهادات، وكان هذا إنجازا مهما جدا في ذلك الوقت. كما أقمنا علاقات دولية مع غرف الملاحة المختلفة. وقّعنا حينها مذكرة تفاهم مع موانئ مرسيليا، حيث أرسلوا وفدا فنيا، وعقدنا ندوة في اللاذقية لتطبيق برنامج تبادل المعلومات البحرية (EDE)، وهو نظام يربط الجمارك بالمصارف، مما يسهم في تسهيل تخليص البضائع وانسيابها بشكل أسرع. وقد ساهم هذا النظام في الحد من الفساد، حيث إنه نظام برمجي يقلل من التدخلات البشرية.
كيف ترون مستقبل العلاقة بين الموانئ السورية واللبنانية؟
رؤيتي للموانئ السورية واللبنانية هي ألا تكون مكانا للتنافس، بل للتكامل، لأن مرفأ بيروت هو الأقرب إلى دمشق، وبالتالي هو الأقرب إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن، كما أن مرفأ طرابلس قريب من وسط سوريا، حمص وحماة. ميناء طرطوس قريب من بغداد، وبالتالي يمكن اعتباره بوابة للعراق، كما أن مرفأ اللاذقية قريب من شمال سوريا وحلب. لهذا، فأنا أرى أن هذا التوزيع الجغرافي يجب أن يكون تكامليا بين هذه الموانئ، مع تسهيلات لعبور البضائع عبر الأراضي السورية، وهذا ما كنت أقوله في كل اجتماعاتي مع المسؤولين اللبنانيين. فأنا أرى أن المصلحة اللبنانية - السورية هي علاقة منفعة مشتركة، تختلف عن العلاقات التي كانت سائدة خلال فترة حكم النظام السابق. كما نتطلع إلى الاستفادة من تجربة لبنان في الاقتصاد الحر.
هل أنت مع إطلاق يد القطاع الخاص أكثر في القطاع البحري؟
كانت فترة الخمسينيات هي الفترة الذهبية للقطاع الخاص السوري، لم يكن هناك شيء اسمه قطاع عام، وكان الاقتصاد حرا. وكنا نحن في غرفة الملاحة نتجه أيضًا إلى تشجيع الاستثمار في القطاع الخاص والاستثمار في التعليم. كما إنني أفتخر بعملي على ملف أدى إلى اعتماد الشهادة الصادرة عن السلطات البحرية السورية من قبل المنظمة البحرية الدولية (IMO) فيما يتعلق بالضباط البحريين والمهندسين العاملين على متن السفن التجارية. حيث إن اعتماد الشهادة البحرية السورية يستوجب أن تكون هناك معاهد تدريسية لكي نتمكن من الحصول على الشهادة الأهلية من السلطات البحرية، لأنه إذا لم تكن هناك معاهد بحرية، فإن المنظمة لا تعتمد الشهادات الأهلية السورية.
لهذا، بالتعاون مع الأكاديمية العربية للنقل البحري، قمنا بتقديم ملف سوريا للمنظمة البحرية الدولية بناء على اعتماد السلطات البحرية السورية على تدريس مناهج الأكاديمية العربية للنقل البحري. كما قمنا بزيارة مقر المنظمة في لندن برفقة وزير النقل في ذلك الحين، وتقدمت الحكومة السورية بملف اعتماد التدريس والشهادة الأهلية، وتم دعمنا من مجلس وزراء النقل العرب، ونجحنا في إدراج سوريا على اللائحة البيضاء للمنظمة فيما يتعلق بالشهادات البحرية.
ما هي الخطط أو الأعمال التي تقومون بها للحفاظ على مسيرة العائلة في هذا القطاع؟
نتطلع إلى متابعة مسيرة العائلة عبر الجيل الرابع، الذي هو أولادي. في عام 2011، حينما قامت الثورة السورية، شعرت بالقمع والهمجية في التعامل مع الشعب، فقررت الانتقال بشكل سريع إلى بيروت. الآن نحن مستقرون بشكل كامل في لبنان، حيث حصل أحد أولادي على شهادة في الإدارة والتمويل من الجامعة الأميركية في بيروت، ثم تابع دراسته العليا في لندن في مجال تمويل النقل البحري. أما الآخر، فقد حصل على ماجستير في القانون البحري من جامعة Queen Mary في مصر، وقد أسسوا شركتهم في إسطنبول، ووسعوا أعمالها وزادوا عدد البواخر. أنا أقدم لهم الاستشارة وبعض الدعم من خلال خبراتي وعلاقاتي في القطاع كرئيس غرفة ملاحة، لا سيما مع العائلات القديمة والمتجذرة في قطاع النقل البحري في تركيا، الذين احتضنوا أولادي إلى أن أصبحوا أعضاء في غرفة الملاحة في إسطنبول. واليوم، لديهم عدة شركات تعمل في مجالات مختلفة في القطاع البحري، وهم موجودون في كافة المؤتمرات البحرية حول العالم لمتابعة المسيرة.
كما قام أحد أبنائي بتأسيس معهد بحري بحجم أكاديمية للتدريب البحري، وتم تجهيزه بأحدث أجهزة المحاكاة، ويقوم المعهد حاليا بتخريج ضباط بحريين وفق الأنظمة العالمية. هناك مدرسون ممتازون، وكان هذا المعهد شبه خيري، لتأهيل الشباب وخصوصا أهالي جزيرة أرواد للعمل في المجال البحري، وتقليل التكاليف على الراغبين في دخول هذا المجال ومساعدتهم على الحصول على شهادة معترف بها دوليا. كما إنني أنصح الشباب بمتابعة دراستهم في هذا المجال، وأتمنى أن يسهم الجيل الجديد في توسيع وتطوير القطاع البحري عبر دمج المعرفة الأكاديمية بالخبرة العملية.
وأنت تدخل عامك السبعين، ما هو أهم إنجاز لك وما هو أهم تحدٍ واجهته؟
أهم إنجاز كان الحصول على مرسوم ترخيص الوكالات البحرية للقطاع الخاص، وأهم إنجاز إنساني هو الحصول على الاعتراف الدولي بالشهادات السورية. لا أريد أن أدخل في السياسة، ولكن اليوم سوريا تحررت من الحكم الاستبدادي، والعنوان الذي أعلنته القيادة الجديدة في سوريا فيما يتعلق بالاقتصاد هو اعتماد الاقتصاد الحر، وهذا سيشكل نقلة نوعية كبيرة، ويساهم في تحسين الاقتصاد والأجور والرواتب. رأينا أن وزير النقل التابع للإدارة الجديدة قد قام بعقد اجتماع في طرطوس، حيث أبدى استعداده للاستماع إلى مطالب ومقترحات أصحاب الخبرة والمصلحة في القطاع البحري. وأتوقع أن يتم خصخصة قطاع النقل البحري. كما قامت الإدارة السورية الجديدة بتأسيس هيئة عامة للمنافذ البرية والبحرية، التي ترتبط برئاسة مجلس الوزراء ووزارة النقل، وهي خطوة جدية تعكس اهتمام الإدارة الجديدة بتسهيل الأمور في هذا الشأن.
البلد منفتح على جميع الاستثمارات، من جميع الدول. أتوقع أيضا أن جميع القطاعات في سوريا ستشهد تطورا كبيرا. أنا متفائل جدا بشأن مستقبل سوريا، والبلد أصبح أكثر انفتاحا وحرية، وهو ما سيساهم في جذب الاستثمارات إلى البلاد.
ما هو أكبر تحدٍّ واجهته أو خسارة تكبّدتها؟ وهل من الممكن إعادة إحياء العلم السوري على السفن؟
أكبر خسارة هي ما عانى منه الشعب السوري منذ عام 2011 حتى اليوم، قد كانت هذه المرحلة مؤلمة وحملت الكثير من الحزن العميق لي ولكل السوريين. ومع ذلك، أنا متفائل بالمستقبل، وأعتقد أنه سيكون واعدا لسوريا وجيرانها، لا سيما لبنان. أما عن تسجيل السفن تحت العلم السوري، فإن الإطار القانوني موجود، لذا فإن العملية من حيث المبدأ سهلة، ولا توجد ضرائب مفروضة. لكن مع العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على النظام السابق، أصبح من المستحيل رفع العلم السوري على السفن. اليوم، بعد تغيير النظام، من المتوقع أن يتم رفع العقوبات، وبالتالي نأمل أن نشهد رفع العلم السوري على مئات السفن في المستقبل.







