تشهد منطقة مصراتة الحرة قفزة نوعية في ترسيخ مكانتها كمركز لوجستي رئيسي في ليبيا، وحلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا. ومن المتوقع اليوم توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية بين منطقة مصراتة الحرة، وشركة "ترمينال إنفستمنت ليمتد" (TiL)، التابعة لشركة "ميديتيرانيان شيبينغ كومباني" (MSC) الإيطالية السويسرية العملاقة، الرائدة عالميًا في مجال شحن الحاويات، وشركة "المها كابيتال بارتنرز" القطرية. وتنص الاتفاقية على توسيع ساحة الحاويات الحالية وإنشاء منطقة تحميل بضائع جديدة، مزودة ببنية تحتية وساحات متطورة مصممة لزيادة الطاقة الاستيعابية والكفاءة وانتظام حركة الشحن. ومن المتوقع حضور شخصيات رفيعة المستوى في مصراتة بهذه المناسبة، من بينهم نائب رئيس الوزراء الإيطالي ووزير الخارجية والتعاون الدولي أنطونيو تايانيرئيس الوزراء ووزير خارجية قطر محمد بن عبدالرحمن آل ثانيورئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة ومن شركة MSC دييغو أبونتيرئيس المجموعة، وهو شخصية رئيسية في مجال شحن الحاويات العالمي.
تقع مصراتة على الساحل الشمالي الأوسط لليبيا، على بعد حوالي 200 كيلومتر شرق طرابلس، بين العاصمة وخليج سرت. وبفضل مينائها التجاري، وشبكة رواد الأعمال الواسعة، وتاريخها العريق في التجارة والصناعة، يُطلق الليبيون على المدينة لقب "ميلان ليبيا". تتفرع من الميناء طرق برية إلى سبها وفزان، بالإضافة إلى ممرات إلى منطقة الساحل، مما يجعل مصراتة حلقة وصل طبيعية بين البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
تشهد شراكة "تيل-المها" في مصراتة نموًا مطردًا. ففي عام 2025، بلغ حجم حركة الحاويات في المنطقة الحرة 685 ألف حاوية نمطية (وحدة قياس مكافئة لعشرين قدمًا)، بزيادة تتجاوز 22% مقارنةً بعام 2024، وهو أعلى مستوى مسجل خلال الفترة 2020-2025. وفي الوقت نفسه، ازداد حجم البضائع العامة والحبوب، كما ازداد عدد السفن الراسية، مما يؤكد انتظام الرحلات البحرية مع شرق البحر الأبيض المتوسط وتركيا وجنوب أوروبا وبعض الموانئ الآسيوية. وانطلاقًا من هذا التوجه، يُتخذ قرار توسيع طاقة الحاويات وإنشاء منطقة شحن جديدة، لتلبية الطلب الناتج عن إعادة الإعمار واستيراد السلع الاستهلاكية والصناعات الحضرية، مما يساهم في تخفيف الازدحام وزيادة إنتاجية الأرصفة والساحات.
تُعدّ شركة TiL من الشركات العالمية الرائدة في تشغيل محطات الحاويات، ولها استثمارات في عشرات الموانئ الاستراتيجية. وتساهم مشاركة MSC، من خلال TiL، في الارتقاء بميناء مصراتة إلى معايير التشغيل الدولية، وتعزيز قدرته على استقطاب خدمات النقل البحري المنتظم، ودمج الميناء مع السفن، ووضع رؤية طويلة الأجل لتخطيط الاستثمار. ويعني هذا عمليًا زيادة موثوقية المسارات، وتقليل فترات التوقف، وتعزيز مكانة الميناء التنافسية في سلاسل الإمداد اللوجستية في البحر الأبيض المتوسط. أما بالنسبة لإيطاليا، فيتماشى هذا المشروع مع خطة ماتي لأفريقيا، التي تركز على التعاون المنظم والمتكافئ، القادر على تعزيز القدرات المحلية وخلق قيمة مشتركة.
يعزز الاتفاق بين منطقة مصراتة الحرة وشركة TIL-MSC مكانة المدينة كمركز محوري يربط أوروبا والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا. وإذا ما اقترن ذلك باستثمارات في الطرق البرية، ورقمنة الجمارك، وخدمات القيمة المضافة، فإن توسيع محطة الحاويات من شأنه أن يُترجم إلى زيادة مستدامة في حركة النقل، وفرص عمل جديدة، ودور أكثر أهمية لليبيا في سلاسل التوريد الإقليمية. وبهذا المعنى، تُرسخ مصراتة طموحها كعاصمة اقتصادية للبلاد ومركز للتعاون الأوروبي الأفريقي.
في مصراتة، سيعقد تاجاني اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد محمد دبيبة لمناقشة العلاقات الاقتصادية بين إيطاليا وليبيا، والفرص التي توفرها المنطقة الحرة، والهجرة، ومكافحة الاتجار بالبشر. كما ستكون عملية المصالحة الوطنية ودعم جهود الأمم المتحدة لضمان استقرار ليبيا ووحدتها محوراً أساسياً في المناقشات. تشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إيطاليا وليبيا نمواً متزايداً، مدفوعةً بقطاع الطاقة. ففي عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري 9,5 مليار يورو (+3,7%)، مع زيادة الصادرات الإيطالية بأكثر من 36%. وفي عام 2025، كانت إيطاليا أكبر مستورد لليبيا بحصة سوقية بلغت 22,4%، وثالث أكبر مورد لها بحصة 10,1%. تصدّر إيطاليا إلى ليبيا بشكل رئيسي منتجات تكرير النفط والسفن والقوارب، بينما تتركز وارداتها من ليبيا على النفط الخام (91,6%) والغاز الطبيعي (5,4%)، مما يُبرز أهمية قطاع الطاقة في التجارة الثنائية.







