يسيطر ملف مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس انتاج النفط العالمي على المشهد الاقتصادي الدولي مع استمرار تعطّل الملاحة فيه بفعل الحرب على إيران وسيطرة طهران على هذا الممر البحري الحيوي.
وفي ظل التصعيد الأخير للحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من جهة أخرى يبرز مصير المضيق كإحدى أهم ساحات المواجهة التي تلقي بثقلها على الاقتصاد العالمي بوجه عام، ومع تهديد إيران بمزيد من التصعيد برزت أسئلة عديدة حول احتمالات المواجهة في المضيق والخيارات المتاحة.
وفي مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر قال الاستشاري والمدقق المعتمد من المنظمة البحرية الدولية والرئيس التنفيذي لموقع ومجلة ربان السفينة من بيروت القبطان هيثم شعبان إن مضيق هرمز يعد أحد المضائق البحرية الهامة حول العالم إلى جانب مضيق باب المندب وقناة بنما وقناة السويس، وهي ممرات أساسية لقطاع النقل البحري ولتأمين انسيابية البضائع وسلاسل الإمداد.
أهمية مضيق هرمز لقطاع النقل البحري والصناعات العالمية
وأوضح إن أهمية هذا المضيق تكمن في ارتباطه المباشر بالصادرات النفطية مقارنة بباقي المضائق البحرية، حيث يمر عبره نحو عشرين مليون برميل نفطي، ما يجعل غالبية الصناعات حول العالم تتأثر بأي اضطراب فيه، ولا سيما في الصين ومناطق أخرى تعتمد على هذه المشتقات النفطية لصناعاتها، وأضاف إن قطاع النقل البحري هو من يدفع الثمن الأكبر في مثل هذه الأزمات.
وقال القبطان هيثم شعبان: "انطلاقا من خبرتي كبحار وقبطان سابق أود الإشارة إلى إن البحارة هم أكثر من يدفعون الثمن كما حصل في باب المندب عندما قصف الحوثيون العديد من السفن، وكان منها مملوك العرب، ونفس الحال في الصومال عن أيام القرصنة."
وأشار إلى إن قطاع النقل البحري يبقى دائما تحت المنظار وضمن الأهداف الحساسة، لأنه يمثل أحد الأذرع الأساسية للأمن القومي في الدول، واستشهد بعدد من الشركات البحرية التابعة للدول مثل ADNOC Logistics في الإمارات العربية المتحدة وناقلات في قطر وشركة ناقلات النفط الكويتية في الكويت وبحري في المملكة العربية السعودية إلى جانب COSCO في الصين.
ولفت إلى إن الدول تعتمد على هذه الأذرع البحرية لتأمين مواردها، وأي استهداف لها يضرب في الصميم قطاع النقل البحري المسؤول عن أكثر من ثمانين بالمئة من نقل البضائع حول العالم.
وفي تعليقه على طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من السفن إظهار الشجاعة والمرور عبر المضيق، اعتبر القبطان شعبان إن هذا الطلب ليس في مكانه نهائيا، وقال إنه لا يمكن الطلب من مدنيين عزل على متن سفن تجارية مدنية لا يحملون أي سلاح أن يدخلوا إلى قناة قد تتعرض لصواريخ، ما يعرض حياتهم للخطر، إلى جانب المخاطر على السفينة والبضائع التي تُقدر بمليارات الدولارات، فضلا عن الخسائر على صعيد الاقتصاد والسياحة والبيئة البحرية.
بدائل الملاحة وخطط الطوارئ في ظل إغلاق المضيق
وحذر القبطان شعبان من إن الوضع الحالي قد يعيد إلى الأذهان ما حدث خلال جائحة كوفيد 19، عندما احتُجز أكثر من أربعمئة ألف بحار على متن السفن، وأشار إلى إن أكثر من ثلاثة آلاف ومئتي سفينة موجودة حاليا داخل الخليج العربي ولا تستطيع مغادرة المضيق نتيجة طبيعة الخليج المغلق، مقارنة مع البحر الأحمر الذي يمتلك مسارات عبر باب المندب وقناة السويس.
وأوضح إن الدول تتجه حاليا إلى الاعتماد على موانئ بديلة خارج المضيق، حيث تلعب موانئ سلطنة عمان دورا بارزا في هذا الإطار، إضافة إلى موانئ الإمارات خارج المضيق وموانئ المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر.
كما بدأت شركات الملاحة والسلطات البحرية في البحث عن وسائل بديلة، حيث يقدم ميناء جواهر لال نهرو في الهند تسهيلات لتخزين البضائع، بينما تنقل سفن حاويات صغيرة البضائع إلى الموانئ العمانية، وعلى رأسها ميناء صلالة، ومن هناك يتم نقلها برا إلى الإمارات.
وأضاف إن بعض الشركات الملاحية بدأت أيضا استخدام موانئ المملكة العربية السعودية لتفريغ البضائع وشحنها، سواء النفطية أو غير النفطية، ثم نقلها برا لتأمين استدامة الأسواق في السعودية ودول الخليج مثل الكويت وقطر ومملكة البحرين.
وأكد إن قطاع النقل البحري يكتسب أهميته من كونه الوسيلة الأرخص لنقل التجارة الدولية مقارنة بالطيران أو النقل البري، وإن جزء كبير من التجارة العالمية يعتمد عليه، لذلك يجب التحضير لخطط طوارئ قبل وقوع الأزمات كما حدث سابقا في البحر الأحمر وقناة السويس وحاليا في مضيق هرمز.
وأشار إلى إن الاهتمام بقطاع النقل البحري لا يظهر غالبا إلا عند وقوع الأزمات، خصوصا في العالم العربي، رغم إنه أكثر أهمية من قطاع الطيران والنقل البري.
وأوضح إن انتظار السفن أمام مضيق هرمز حتى يعاود فتح المضيق يشكل مصروفاً زائد وكلفة إضافية على الشركات الملاحية، إذ إن الكلفة اليومية للسفينة عالية وتتراكم في حالات الانتظار، وقد يكون ذلك مضيعة للوقت لبعض الشركات، وفي ما يتعلق بقطاع سفن الحاويات وغيرها من سفن البضائع، يمكن أن تكون موانئ سلطنة عمان بديل عملي بدل انتظار فتح القناة أو الاعتماد على شجاعة قبطان معين أو شركة ملاحية معينة للدخول في ممر قد يتعرض فيه لأي صاروخ من أي جهة معروفة أسبابها.
وأشار إلى إن المسارات البديلة للقطاعات غير النفطية يمكن أن تكون عبر موانئ عمان وموانئ المملكة العربية السعودية وجزئيا الموانئ المصرية، كما يمكن في حال استقرار الوضع في اليمن أن تكون الموانئ اليمنية مساعدة أيضا.
أما بالنسبة للمشتقات النفطية، فلفت إلى وجود بعض خطوط الأنابيب التي تنقل النفط من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وصولا إلى ينبع، إضافة إلى خط يصل إلى الفجيرة، إلا إنها لا تكفي في حال حدوث أزمة طويلة، ما يستدعي التفكير في أنابيب إضافية مستقبلا لضمان استمرار سلاسل الإمداد دون تأخير.
وفي ما يتعلق بمرافقة السفن، أوضح القبطان شعبان إن هذا الإجراء ليس جديدا، فقد استخدم في فترات سابقة من بينها الحرب العالمية الثانية وكذلك خلال أزمة القراصنة الصوماليين، عبر فتح مسارات بحرية ترافق فيها سفن عسكرية السفن التجارية حتى تصل إلى وجهتها.
إلا إنه شدد على إن خصوصية مضيق هرمز تكمن في ضيقه النسبي، حيث لا يتجاوز عرض الممر الملاحي فيه نحو ميلين، ما يجعل عملية الحماية صعبة حتى للسفن الحربية نفسها.
وختم بالقول إن الحديث عن إنزال عسكري في الجزر الإيرانية المشرفة على المضيق قد لا يكون كافيا لضمان أمن الملاحة، بل قد يدفع شركات التأمين إلى رفع كلفة التأمين على السفن التي تمر في هذه المنطقة، خصوصاً إن المخاطر تبقى قائمة بعد خروج السفن من التغطية العسكرية.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







