مع تسارع التحوّل الرقمي في قطاع النقل البحري بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتسابق مؤسسات التعليم والتدريب البحري إلى مواكبة هذا التطور المتسارع. لتسليط الضوء على أبرز ملامح هذا التحول، أجرت ربّان السفينة حوارا مع أربعة من أبرز الخبراء في هذا المجال: الدكتور حسّان عطّار، رئيس قسم الهندسة البحرية في كلية الدراسات البحرية في جامعة الملك عبدالعزيز، المملكة العربية السعودية؛ الدكتور أحمد يوسف طه، مستشار التعليم والتدريب البحري وأستاذ أول في كليةEast Coast College، المملكة المتحدة؛ الدكتور Dmitry Mikhaylov، مدير المشاريع البحثية في أكاديمية أبوظبي البحرية ADMA، الإمارات العربية المتحدة؛ الدكتور المحامي اسطفان عسال، مدير معهد العلوم البحرية والتكنولوجيا MARSATI، لبنان.
من خلال الجمع بين آراء هؤلاء الخبراء البارزين، يقدّم موضوع هذا العدد صورة واضحة عن الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في تطوير المهارات البحرية، وتعزيز تقنيات المحاكاة، وإعادة صياغة مستقبل الأجيال الجديدة من البحّارة.
أثر الذكاء الاصطناعي على التعليم البحري
بينما يواصل الذكاء الاصطناعي تشكيل مستقبل كافة القطاعات حول العالم، أصبح دمجه في برامج التعليم والتدريب البحري أمرا متزايد الأهمية. في هذا السياق، أشار الدكتور حسّان عطّار إلى أن "كلية الدراسات البحرية في جامعة الملك عبدالعزيز تستكشف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عدة مجالات مثل مراقبة كفاءة الطاقة، والملاحة المؤتمتة، والصيانة المعتمدة على الحالة، بما يضمن تزويد الطلاب بخبرات عملية في التقنيات التي ترسم مستقبل النقل البحري الحديث. كما يتماشى هذا التوجه مع رؤية السعودية 2030، التي تؤكد على أهمية التحول الرقمي وتطوير المهارات المتقدمة في القطاع التعليمي".
وفي سياق متصل، أوضح الدكتور أحمد يوسف طه أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولا سريعا في التعليم البحري من خلال تعزيز أساليب تقديم البرامج التدريبية وتوسيع نطاق الوصول إليها على مستوى العالم. وأضاف: "تستفيد المؤسسات التعليمية من منصات مثل Blackboard Ultra المدمجة مع Collaborate وPanopto، لإنشاء بيئات تعليمية مرنة وديناميكية. كما تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل Blackboard AI Design Assistant، في تمكين المدرسين من إعداد محتوى دراسي متخصص وتصميم أنشطة تعليمية متقدمة. وفي الوقت نفسه، تُعزّز أدوات مثل Collaborate وPanopto الفصول الدراسية الافتراضية عبر تفريغ المحتوى باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتحليل مستويات التفاعل، وتوليد ملخصات لمقاطع الفيديو، وتوفير ترجمة متعددة اللغات".
وأضاف قائلا: "يمثل تطوير المقرّات الجامعية الافتراضية، مثل تلك التي يجري تنفيذها حاليا، مرحلة متقدّمة في مستقبل التعليم البحري. حيث ستدمج هذه المقرات تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزّز لتقديم محاكاة دقيقة لعمليات غرف القيادة والتحكم وغرف المحركات ولوجستيات الموانئ، مدعومة بمدرّسين افتراضيين وقدرات تحليل فوري للبيانات. كما تتجه المؤسسات التعليمية إلى اعتماد أطر متقدمة مثل إطار عمل دمج الذكاء الاصطناعي في المشاريع (PAIIF)، بهدف توظيف الذكاء الاصطناعي في مشاريع العمليات والهندسة البحرية، بما يعزّز الابتكار ويقوّي فرص التعلّم العملي".
وفي السياق نفسه، أشار الدكتور Dmitry Mikhaylov إلى أن الأكاديميات البحرية الحديثة باتت تعتمد على أجهزة المحاكاة المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية، بهدف تخصيص أساليب التعلّم وتعزيز مهارات اتخاذ القرار لدى المتدربين.
وأوضح أن "تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على توليد سيناريوهات عالية الخطورة في الوقت الفعلي، بدءا من التغيرات المفاجئة في الأحوال الجوية وصولا إلى الأعطال التقنية والهجمات السيبرانية، مما يتيح تدريب الطلاب في ظروف تحاكي العمليات البحرية الفعلية بدقة. كما أشار إلى أن التحليلات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي للبيانات الفعلية للأساطيل أصبحت تُستخدم على نطاق واسع في تدريس مفاهيم الصيانة التنبؤية في بعض المؤسسات التعليمية الرائدة مثل أكاديمية أبوظبي البحرية والجامعة البحرية العالمية، وهو ما يعكس تحولا نوعيا نحو منظومات تدريب ذكية وديناميكية."
د. Dmitry Mikhaylov
كما صرّح الدكتور اسطفان عسّال بأن "الذكاء الاصطناعي بات يشكّل ركنا أساسيا في منظومة التعليم البحري، من خلال منصات التعلّم التكيّفي وأجهزة المحاكاة الذكية والتحليلات التنبؤية لأداء المتدربين، إضافة إلى أدوات التقييم المؤتمتة. وتعمل المؤسسات التعليمية على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في أجهزة المحاكاة وتدريبات السلامة والتدريبات الخاصة بتحسين المسارات البحرية، بهدف إعداد الطلبة بشكل أفضل للتعامل مع السيناريوهات التي قد تواجههم على أرض الواقع من خلال البيئات المعتمدة على البيانات".
المحامي د. اسطفان عسّال
الدمج بين التعليم الافتراضي والتطبيق العملي
اتفق الخبراء الأربعة على أن أجهزة المحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وبيئات الواقع الافتراضي يجب أن تكمّل التدريب البحري العملي، لا أن تحِل محلّه. في هذا الإطار، أوضح الدكتور أحمد أن "المنظمة البحرية الدولية تصنّف السفن المؤتمتة ضمن أربع درجات، تبدأ بالسفن المأهولة المزودة بأنظمة دعم اتخاذ القرار، وصولا إلى السفن المؤتمتة بالكامل دون أي تدخل بشري. في الدرجتين الثالثة والرابعة، حيث تُدار السفن عن بُعد أو تعمل بشكل مؤتمت بالكامل، يمكن للذكاء الاصطناعي وبيئات الواقع الافتراضي أن تحل محل التدريب العملي من خلال التركيز على مراقبة الأنظمة وتشخيص الأعطال وإدارة العمليات عن بُعد.
أما في الدرجتين الأولى والثانية، فلا يزال الوجود البشري والتدخل اليدوي ضروريين، مما يجعل التدريب العملي عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه". من ناحية أخرى، أشار الدكتور عسّال إلى أنّ "أجهزة المحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وبيئات الواقع الافتراضي توفر مستوى لا يُضاهى من الواقعية والقدرة على محاكاة الظروف النادرة أو المعقدة، غير أنّ الخبرة العملية على متن السفن تبقى ضرورية لتعزيز الكفاءة لدى البحارة، وتعزيز مهاراتهم القيادية، وتدريبهم على اتخاذ القرار تحت الضغط."
من جانبه، أكد الدكتور Mikhaylov أنّ "الذكاء الاصطناعي وبيئات الواقع الافتراضي يمثلان امتدادا للتدريب التقليدي، من خلال قدرتهما على توليد سيناريوهات يصعب تنفيذها عمليا، مثل حرائق غرف المحركات أو اختراق الأنظمة المؤتمتة. ومع ذلك، يظلّ التدريب العملي أمرا لا يمكن الاستغناء عنه لتنمية البديهة وتعزيز التنسيق والوعي المكاني."
وفي السياق ذاته، شدد الدكتور عطار على أن "الذكاء الاصطناعي والانغماس في الواقع الافتراضي يمكّنان الطلاب من التدرب على السيناريوهات عالية الخطورة بشكل سالم، بالإضافة إلى تحليل قراراتهم، وإمكانية إعادة التدريب تحت ظروف مختلفة. كما أن اعتماد نهج تدريبي مُدمج يضمن السلامة والتميز التشغيلي، ويعزز الالتزام بمعايير المنظمة البحرية الدولية والاتفاقية الدولية لمعايير النوبة والتدريب وإصدار الشهادات للبحارة STCW.
تحديث المناهج البحرية
وفقا للدكتور أحمد، "تواجه العديد من المؤسسات التعليمية تحديات كبيرة في تحديث المناهج البحرية بالسرعة المطلوبة، ما قد يؤدي إلى تخرج الطلاب دون مستوى كاف من الإعداد العملي والمعرفي. كما أن محدودية برامج التطوير المهني تجعل الأكاديميين عرضة للشعور بالإرهاق أو بعدم الجاهزية لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي بفعالية ضمن المسارات التعليمية. ويُعتبر التزام الإدارة واستثمارها القوي في برامج التطوير من العناصر الجوهرية لضمان نجاح عملية تحديث المناهج. إضافة إلى ذلك، يحتاج الأكاديميون إلى تعزيز فهمهم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بدءا من التحليلات التنبؤية لأداء السفن، وصولا إلى استخدام الواقع الافتراضي للتدريب على الاستجابة للطوارئ."
في هذا السياق، اقترح الدكتور Mikhaylov اعتماد دورات تدريبية نموذجية قابلة للتحديث، إلى جانب استخدام أنظمة سحابية لإدارة المحتوى كحل عملي. وأضاف: "تشمل التحديات أيضا محدودية الوصول إلى قواعد بيانات بحرية عالية الجودة، إضافة إلى حاجة المدربين لاكتساب القدرة على تحليل مخرجات الذكاء الاصطناعي، وهو أمر غالبا ما يتطلب إقامة شراكات مع مختبرات الذكاء الاصطناعي بالإضافة إلى برامج تطوير مهني مستمر."
من جهته، شدّد الدكتور عطار على أهمية التعاون المستمر بين الأوساط الأكاديمية والقطاع البحري، وقال: "من خلال تعزيز الشراكات مع الشركات البحرية ومزودي التكنولوجيا والمراكز البحثية، يمكن للجامعات أن تُبقي برامجها التعليمية متوافقة مع التطورات الفعلية في القطاع. كما يحتاج أعضاء هيئة التدريس إلى تطوير مهني مستمر يمكّنهم من تعليم وإدارة التقنيات الناشئة بكفاءة، إلى جانب تبني مبادرات مؤسسية تشجع على الابتكار والتكامل بين التخصصات".
د. حسّان عطّار
وفي الإطار ذاته، أوضح الدكتور عسّال أنّه "بحلول عام 2035، قد تتطور الأكاديميات البحرية إلى حرم جامعي ذكي وهجين، يجمع بين المدرسين الافتراضيين عبر الذكاء الاصطناعي، والمحاكاة عبر الواقع الافتراضي، والتوائم الرقمية، والتعلم السحابي". وأضاف أنّ المدرسين يواجهون تحديات متعددة، بما في ذلك محدودية التمويل، ونقص المدربين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، وبطء تحديث اللوائح التنظيمية. كما أكد أنّ التطوير المهني المستمر وإقامة شراكات استراتيجية مع القطاع البحري يمثلان مفتاح الحفاظ على مناهج تعليمية فعّالة ومتواكبة مع التطورات الحديثة في القطاع.
الاستخدام الأخلاقي للذكاء الصناعي
في حديثه عن الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، شدّد الدكتور عسّال على ضرورة تطبيق حوكمة صارمة للبيانات واعتماد خوارزميات شفافة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب وضع إرشادات أخلاقية خاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع البحري. وأوضح أن ذلك يجب أن يتماشى مع معايير اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR والمعايير الدولية، بما يعزز الثقة والعدالة والمساءلة في التعليم البحري.
بدوره، أشار الدكتور عطار إلى أهمية وضع سياسات مؤسسية واضحة لجمع البيانات وتحليلها وحمايتها، مع الالتزام باللوائح الوطنية مثل قانون حماية البيانات الشخصية السعودي PDPL لضمان الشفافية والمساءلة. وأضاف: "يجب أن يساهم الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في دعم مبادئ العدالة والنزاهة وجودة التعليم، دون أن يحلّ محلّ القرار البشري، كما يجب أن يخضع هذا الاستخدام لإشراف الكليات أو الأكاديميات البحرية، بالإضافة إلى توفير بنية تحتية رقمية آمنة."
وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور أحمد أن "ضمان الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي وحماية خصوصية البيانات في التعليم البحري يتطلب الالتزام الصارم بالتشريعات ذات الصلة، مثل اللائحة العامة لحماية البياناتGDPR ، وتطبيق مبدأ تقليل جمع البيانات، إلى جانب اعتماد تدابير أمان قوية تشمل التشفير، والخوادم الآمنة، وضوابط إمكانية الوصول إلى البيانات. كما تتضمن الممارسات الموصى بها إجراء عمليات تدقيق منتظمة للكشف عن الانحيازات، ويظلّ الإشراف البشري ضروريا، إلى جانب استخدام نماذج ذكاء اصطناعي يمكن تفسير قراراتها واستنتاجاتها، لضمان الشفافية."
وفي سياق متصل، شدّد الدكتور Mikhaylov على أهمية الشفافية والتوافق ووضوح التفسير لضمان أن يفهم الطلاب كيفية عمل آليات جمع البيانات البيومترية والسلوكية ومعالجتها. كما أوصى بتطبيق تقنيات إخفاء الهوية لحِزم لبيانات، واعتماد بُنى سيبرانية متينة تتوافق مع توجيهات المنظمة البحرية الدولية ومعايير STCW، وإطار العمل الخاص بإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي الصادر عن المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة NIST، إلى جانب إجراء مراجعات دورية للخوارزميات لضمان حيادها ومنع أي شكل من أشكال الانحياز.
المعايير العالمية للتحول الرقمي
وفقا للدكتور أحمد، "يواجه التعليم البحري ضغطا متزايدا لمواكبة متطلبات التحول الرقمي. فبينما تضع اتفاقية STCW الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية إرشادات أساسية في هذا المجال، إلا أنها لا تغطي بصورة شاملة المهارات الرقمية المطلوبة في الوقت الراهن. وتهدف إستراتيجية المنظمة للتحول الرقمي في القطاع البحري، التي سيجري اعتمادها في عام 2027، إلى دمج التقنيات الرقمية وتعزيز الأمن السيبراني وتقليص الفجوة الرقمية. في المقابل، توفر الوكالة الأوروبية للسلامة البحريةEMSA أدوات تشغيلية للدول الأوروبية، غير أنها لم تُدمج بالكامل بعد في المناهج التعليمية."
د. أحمد يوسف طه
وأوضح أيضا أن "الأمن السيبراني بات يشكّل محور قلق أساسي في العمليات البحرية. فالقرار رقم (98) 428 الصادر عن لجنة السلامة البحرية التابعة للمنظمة البحرية الدولية يُلزم بدمج إدارة المخاطر السيبرانية ضمن أنظمة إدارة السلامة، وذلك بالاستناد إلى مجموعة من الإرشادات الداعمة، من بينها، النسخة الثالثة المُعدّلة من التعميم المشترك رقم 3 الصادر عن لجنة السلامة البحرية MSC ولجنة تسهيل الملاحة البحرية FAL، الذي يقدّم مجموعة من أفضل أساليب التعامل مع التهديدات الرقمية والحدّ من مخاطرها."
وفي السياق ذاته، أكّد الدكتور عطار أن "الجاهزية الرقمية لا ترتبط بالتكنولوجيا فحسب، بل بالعامل البشري أيضا. وأشار إلى المبادرات القائمة في جامعة الملك عبدالعزيز، بما في ذلك المقررات الإلزامية في مجال الذكاء الاصطناعي وبرنامج زمالة الذكاء الاصطناعي، التي تهدف إلى تزويد الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالمهارات اللازمة لاستخدام الأدوات الرقمية بشكل مسؤول وفعّال، بما يعزّز الابتكار ويدعم مسارات التنمية المستدامة."
من جانبه، أشار الدكتور Mikhaylov إلى "غياب إطار عمل عالمي موحّد للتعليم البحري المعزَّز بالذكاء الاصطناعي". واقترح إنشاء مدونة للكفاءة الرقمية بهدف توحيد التدريب في مجالات المحاكاة القائمة على الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والصيانة التنبؤية، والتعامل الأخلاقي مع البيانات. كما دعا هيئات التصنيف إلى توسيع نطاق اعتماد أجهزة المحاكاة ليشمل البيئات التي يتم توليدها عبر الذكاء الاصطناعي وبرامج التدريب على الاستجابة للأنظمة المؤتمتة.
وفي الإطار نفسه، أوضح الدكتور عسّال أن "الأطر الحالية، مثل اتفاقية STCW، توفر خطا أساسيا للمعايير، لكنها لا تزال غير مجهّزة بالكامل لمواكبة متطلبات التحول الرقمي". وأشار إلى أنّ المنظمة البحرية الدولية والوكالة الأوروبية للسلامة البحرية EMSA والمنظمة الدولية للمساعدات الملاحية البحرية IALAينبغي أن تتولى قيادة وضع معايير محدّثة للجاهزية الرقمية، ودعم تمويل الأبحاث، وتعزيز التعاون العالمي لتوحيد معايير التعليم البحري المعتمد على الذكاء الاصطناعي".
نماذج الأكاديميات المستقبلية
"من المتوقع أن يشهد التعليم البحري تحولا جذريا بحلول عام 2035، وإن كان هذا التحول لن يتحقق بصورة موحّدة عالميا، مما قد يؤدّي إلى فجوة في مستويات الكفاءة المهنية بين الدول"، وفقا للدكتور أحمد، الذي أشار إلى أنّ "الجامعات البحرية الرقمية بالكامل ستتيح للطلاب الانغماس في البيئات التعليمية الافتراضية عبر منصات الواقع المعزّز والواقع الافتراضي، الأمر الذي قد يجعل الفصول الدراسية التقليدية شبه مهجورة. وستقتصر التدريبات الحضورية على المهارات العملية الأساسية، مثل مكافحة الحرائق، تشغيل قوارب النجاة، وصيانة المحركات، والتي سيجري تقديمها في الغالب ضمن ورش تدريب مكثّفة وقصيرة الأمد".
وأضاف قائلا: "في المقابل، ستواصل العديد من الأكاديميات البحرية، لا سيما في الدول النامية، الاعتماد على أساليب تقليدية بسبب محدودية الوصول إلى التقنيات المتقدمة، مما سيُؤدي إلى فجوة عالمية في مستويات الكفاءة. من خلال المنصات المشتركة وتبادل الخبرات وبرامج الشهادات المشتركة، يمكن أن تسهم الشراكات بين الأكاديميات المتقدمة ونظيراتها التقليدية، في سد هذه الفجوة والارتقاء بجودة التعليم البحري عالميا".
في السياق ذاته، شدّد الدكتور عسّال على أن "لوائح المنظمة البحرية الدولية وأطر الامتثال المرتبطة بها ستظل الركيزة الأساسية التي تُشكّل ملامح التعليم البحري، بما يضمن الالتزام بالمعايير الدولية الخاصة بعمليات الموانئ والملاحة ومتطلبات التدريب".
وبناء على ذلك، أكّد الدكتور عطار أن القيم البحرية الأساسية، مثل الانضباط، والعمل الجماعي، والسلامة، والمهارات القيادية، ستظل في صميم التعليم البحري مهما تقدمت التكنولوجيا. كما توقّع ظهور بيئات تعليمية هجينة تجمع بين أجهزة المحاكاة المتقدمة، مثل محاكيات غرف القيادة والتحكم وغرف المحركات والنظام العالمي للاستغاثة والسلامة البحرية (GMDSS) وبين التدريب العملي في البحر، بما يسهم في تطوير الكفاءة وترسيخ الموثوقية المهنية لدى المتدربين.
وفي رؤية مستقبلية أوسع، أوضح الدكتور Mikhaylov أن "الأكاديميات البحرية بحلول عام 2035 ستكون رقمية بالكامل، حيث سيتم دمج بيانات المراقبة المباشرة لحركة السفن في الوقت الفعلي، وأنظمة الصيانة التنبؤية، وتمارين الدفاع السيبراني ضمن منصة تدريب موحّدة. كما ستوفّر مجموعة تقنيات الذكاء الاصطناعي الطرفية (Edge-AI) ملاحظات فورية دون الحاجة إلى الاعتماد على الخدمات السحابية، وهو ما يعد ضروريا للتعلّم على متن السفن أو في المواقع البحرية. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي سيقوم بتوليد سيناريوهات تدريبية جديدة بصورة مستمرة، عبر الاستناد إلى حوادث بحرية واقعية، بما يضمن إعداد البحارة بشكل كامل للمتطلبات المستقبلية للقطاع".
| لقراءة المحتوى كاملا إضغط على الرابط التالي : مجلة ربان السفينة، العدد 100، نوفمبر/ ديسمبر 2025، لقاء بحري، ص. 16 |







