حقق القطاع البحري تقدمًا ملحوظًا في تحسين أداء السفن من خلال تقنيات كفاءة الوقود، والتخطيط المتقدم للرحلات، ومراقبة الانبعاثات، والصيانة التنبؤية. ومع ذلك، لا تزال الممارسات التشغيلية على متن السفن متأخرة نسبيًا، حيث يبقى جزء كبير من الأنشطة اليومية غير واضح أو محدود الشفافية.
وعلى الرغم من أن السفن تولّد كميات هائلة من البيانات التقنية، فإن العمليات المرتبطة بالملاحة، الهندسة، الرسو، التزوّد بالوقود، وعمليات الشحن تُوثق غالبًا بشكل يدوي، ولا تتم مراجعتها إلا بعد وقوع الحوادث. ويؤدي هذا الانفصال بين السفينة والبر إلى الحد من قدرة القطاع على إدارة المخاطر بشكل استباقي، في وقت يزداد فيه تركيز الجهات التنظيمية على العنصر البشري، بما يشمل تدريب البحّارة وتمكينهم من إدارة إرهاقهم.
الحاجة إلى الشفافية التشغيلية
وفي هذا السياق، علق Osher Perry، الرئيس التنفيذي لشركة ShipIn Systems، قائلاً: "لقد أتقن قطاع النقل البحري التعامل مع بيانات السفن، إلا أن ما يحدث فعليًا على متنها لا يزال إلى حد كبير غير واضح. وفي وقت تركز فيه الجهات التنظيمية بشكل متزايد على العنصر البشري، يفتقر القطاع إلى رؤية واضحة وفورية للعمليات اليومية في البحر".
وأضاف: "عززت التطورات الأخيرة ضمن اللجنة الفرعية التابعة للمنظمة البحرية الدولية المعنية بالعنصر البشري والتدريب والمراقبة (HTW) أهمية تدريب البحّارة وإدارة إرهاقهم"، معتبرا أن هذه المبادرات لا تعالج بشكل كامل المخاطر التي تظل غير مرئية إلى حد كبير نتيجة محدودية الشفافية التشغيلية على الرغم من أهميتها.
فجوة في التنسيق
وفي مختلف الأنشطة الأساسية على متن السفن، مثل الملاحة، والهندسة، والرسو، والتزوّد بالوقود، وعمليات الشحن، يتم توثيق العمليات غالبًا يدويًا ولا تُراجع إلا بعد وقوع الحوادث، ما يؤدي إلى اتساع فجوة التنسيق بين السفينة والبر ويحد من القدرة على إدارة المخاطر بشكل استباقي.
إضافة إلى ما سبق، أفاد Perry: "بالنسبة لقطاع يقوم على السلامة والمساءلة، ينبغي أن يشكل هذا النقص في الرؤية مصدر قلق. فإذا أردنا تقليل الحوادث ودعم الطواقم بشكل أفضل، فعلينا فهم الظروف الفعلية التي يواجهونها يوميًا".
فرص تعزيز الأداء والسلامة
يمثل سد فجوة الشفافية التشغيلية فرصة كبيرة لتحسين كل من السلامة والأداء التشغيلي. فبينما تولّد السفن بالفعل كميات ضخمة من البيانات التقنية، يكمن التحدي في تحويل الأنشطة اليومية على متن السفن إلى معلومات منظمة وقابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، بدأت تقنيات التحليلات البصرية والذكاء الاصطناعي في معالجة هذا التحدي، حيث يمكن للأنظمة الحديثة تحويل تدفقات الفيديو على متن السفن إلى رؤى تشغيلية ذات طابع زمني، مع تحديد سير العمل، واكتشاف الانحرافات عن الإجراءات، وإتاحة المراقبة المستمرة للأنشطة التشغيلية.
الذكاء الاصطناعي والرؤى التنبؤية لتعزيز السلامةفي الوقت ذاته، تبرز العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي كأداة فعالة لدعم كل من الطواقم والفرق العاملة على الشاطئ (البر). ومن خلال دمج البيانات الواردة من الكاميرات وأجهزة الاستشعار والسجلات التشغيلية، توفر هذه الأنظمة مستوى أعلى من الوعي التشغيلي، ما يتيح اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
ويؤكد Perry: "لا يهدف هذا التوجه إلى استبدال العنصر البشري، بل إلى تمكينه. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دور المساعد، من خلال تعزيز الخبرات البشرية، وتقليل الأعباء الإدارية، ومساعدة الفرق على العمل بأمان وكفاءة أعلى".
كما تتيح القدرات التنبؤية تحديد الأعطال المحتملة قبل تفاقمها، ما يسهم في تقليل فترات التوقف وتحسين تخطيط الصيانة.
اعتبارات التنفيذ والمسار المستقبلي
ومن هذا المنطلق، يشير Perry إلى أن تطبيق الشفافية التشغيلية يجب أن يتم بشكل مسؤول، من خلال أطر حوكمة واضحة، وسياسات شفافة لإدارة البيانات، ومشاركة فعالة من قبل الطواقم. ويضيف: "عند تطبيق هذه التقنيات بالشكل الصحيح، يتم تعزيز التعاون بين السفينة والبر، وتعود بالفائدة على البحّارة بقدر ما تفيد المشغّلين". ومع استمرار تطور القطاع مدفوعًا بإزالة الكربون والتحول الرقمي، يرى Perry أن المرحلة المقبلة من التحول ستركز على الذكاء التشغيلي. ويختتم قائلًا: "لن يأتي التقدم التالي من الآلات وحدها، بل من جعل العمليات مرئية وقابلة للقياس وللتحسين المستمر. وإن فهم ما يحدث فعليًا في البحر هو العامل الأساس لبناء قطاع نقل بحري أكثر أمانًا ومرونة وكفاءة".
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







