المخاطر غير المرئية
غالبًا ما تفيد التقارير بوجود ألغام كافية لإرباك حركة الملاحة البحرية. فحتى لو لم يكن مالكو السفن أو أطقمها أو شركات التأمين على دراية بتهديد الصواريخ في مضيق هرمز، قد يكون نشر أخبار عن وجود ألغام بحرية في هذه الممرات المائية الضيقة كافيًا لوقف حركة النقل التجاري التي لا توجهها إيران عبر ممرات آمنة. كما ينطبق ذلك على البحرية الأمريكية. فقد يشكل لغم واحد منخفض التكلفة تهديدًا لسفينة حربية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، ولا يمكن لأي قوة بحرية، مهما بلغت تفوقها التكنولوجي، أن تتجاهل هذا الخطر.
ولا يشترط أن تؤدي حرب الألغام إلى إغراق السفن لتحقيق أهدافها، بل تقوم أساسًا على فرض مستوى غير مقبول من المخاطر. وبذلك، يمكن أن يتحدد الوصول البحري عبر المضيق بدرجة أقل بالقوة النارية، وبدرجة أكبر بالحذر وعدم اليقين وبطء استجابة قوات مكافحة الألغام. ولضمان استدامة هذا التأثير، تحتاج إيران إلى امتلاك الوسائل اللازمة للحفاظ عليه. ومن أجل فهم ما قد يحدث لاحقًا، ينبغي أولًا فهم قدرات إيران في مجال حرب الألغام.
كيف تفرض الألغام واقعًا من الخوف وعدم اليقين؟
بالإضافة إلى ذلك، تشير التقديرات إلى أن إيران كانت تمتلك قبل الحرب مخزونًا يتراوح بين 5000 و6000 لغم بحري، رغم أن بعض هذه الألغام قد دمرته القوات الأمريكية والإسرائيلية. وتصنف الألغام بحسب موقعها في الماء (عائمة على السطح، أو مستقرة في القاع، أو طافية عند السطح أو تحته ومثبتة بالقاع) وبحسب آلية التفجير (بالتلامس مع السفينة أو عبر استشعار اقترابها باستخدام مؤثرات مثل الصوت، أو الضغط، أو المجال المغناطيسي، أو مزيج منها). ويشمل مخزون إيران ألغام القاع ذات التأثير، والألغام التلامسية المقيدة، والألغام ذات التأثير المقيدة، والألغام العائمة/المنجرفة.
توفر الألغام البحرية مزايا واضحة كسلاح بحري؛ فهي لا تتطلب تدريبًا مكثفًا أو دعمًا تخصصيًا كبيرًا، كما أنها سهلة النشر، إذ يمكن زرعها باستخدام قوارب مدنية أو زوارق صغيرة أو غواصات. وعلى خلاف العديد من الأسلحة البحرية الأخرى، يمكن نشر الألغام من دون اشتباك مباشر مع الخصم، حيث تبقى خاملة إلى أن يتم تفعيلها بمرور سفينة. وهذه الخصائص تجعل الألغام من أكثر الأسلحة فعالية من حيث التكلفة بالنسبة للقوى الأضعف أو الأقل تجهيزًا.
وفي ظل ظروف مناسبة، يصعب التعامل مع هذه الألغام، إذ إن وجودها يعقد المشهد لتكتيكي من خلال تقييد أو منع وصول القوات البحرية والسفن التجارية إلى حين تنفيذ عمليات مكافحة الألغام لضمان المرور السالم.
من جانب آخر، تعد عمليات مكافحة الألغام منهجية كثيفة الموارد. وقد ركزت الجهود المبذولة مؤخراً لتحديث هذه العمليات على إبقاء كاسحات الألغام وأطقمها خارج مناطق الخطر، عبر نقل مهام الكشف والإزالة إلى أنظمة مستقلة وغير مأهولة.
وقد ساهمت التطورات في تقنيات السونار عالي الدقة في تحسين القدرة على كشف وتصنيف الأجسام الشبيهة بالألغام، غالبًا على نطاق واسع ومن منصات تعمل على مسافات آمنة من المناطق الملغومة. ومع ذلك، ورغم انتقال عمليات الكشف تدريجيًا إلى أنظمة تعمل عن بُعد، فإن عمليات التعرف النهائي على الألغام وتحييدها لا تزال مرتبطة إلى حد كبير بكاسحات الألغام.
وفي هذا الإطار، يشكل ذلك تحديًا تشغيليًا متزايدًا. ففي الممرات المائية الضيقة والمزدحمة مثل مضيق هرمز، قد تؤدي الافتراضات المحافظة بشأن المسافات السالمة إلى إبقاء كاسحات الألغام على بُعد عشرات الكيلومترات من مناطق الاشتباه. وبينما تستطيع المركبات غير المأهولة مسح مساحات واسعة، يتطلب تأكيد طبيعة الأهداف وتحييدها اقترابًا نسبيًا، غالبًا باستخدام أنظمة يتم تشغيلها عن بُعد وتعمل عند حدود قدراتها من حيث المدى والاستمرارية والتحكم.
لماذا تُعد الألغام خيارًا استراتيجيًا؟
ونتيجة لذلك، قد تمتد الجداول الزمنية لعمليات إزالة الألغام من أيام إلى أسابيع، بل وحتى أشهر، خاصة عندما يكون حجم التهديد غير معروف. ومع طول هذه الفترات، تزداد أيضًا متطلبات حماية قوات مكافحة الألغام من الهجمات، وهو ما يستدعي توفير حماية من قبل السفن الحربية.
وفي هذا السياق، هددت إيران بتوسيع عمليات زرع الألغام في أنحاء الخليج في حال تعرض سواحلها أو جزرها لهجمات. ومع تطور النزاع، قد تمتد عمليات زرع الألغام إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر وكلاء إيران، وهم المسلحين الحوثيين في اليمن.
وقد استخدم الحوثيون الألغام البحرية سابقًا، حيث قاموا في عام 2017 بزرع مئات الألغام قبالة السواحل اليمنية لردع العمليات البحرية التي تقودها السعودية خلال النزاع اليمني. كما أن مشاركتهم في النزاع الحالي آخذة في التوسع، مع تنفيذ الضربات الأخيرة ضد إسرائيل.
اتساع رقعة التهديد: من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب
وإذا كان هدف إيران هو زيادة مستوى الاضطراب لدى خصومها، فمن المرجح أن تبدأ بزرع الألغام في مختلف أنحاء الخليج. ففي هذه المنطقة المحدودة، تكون كثافة حركة الملاحة مرتفعة، كما أن معظم المداخل المؤدية إلى الموانئ والمرافئ معرضة لخطر الألغام أو حتى الإعلان عن وجودها. وتشمل هذه الممرات المائية المؤدية إلى البحرين، والعراق، والكويت، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقد تمتد المخاطر أيضًا إلى عُمان.
وتعد مسارات الملاحة المؤدية من وإلى موانئ هذه الدول معروفة جيدًا للمخططين العسكريين الإيرانيين. كما أن المياه الضحلة في هذه المناطق مناسبة لألغام القاع ذات التأثير التي تمتلكها إيران، بما في ذلك طراز (Maham-2) الأسطواني الذي تبلغ قدرته التفجيرية 350 كغ ويعمل حتى عمق 50 مترًا، وطراز (Maham-7) المخروطي الذي يحتوي على 150 كغ من المواد المتفجرة ويعمل حتى عمق 35 مترًا.
أما في المناطق الأعمق من الخليج، فتكون الألغام المقيدة أكثر فاعلية، إذ يمكن تثبيتها في أعماق تصل إلى 100 متر، ومن المرجح استخدامها ضمن الممرات الملاحية المعروفة ومناطق الرسو والمناطق ذات الكثافة المرورية العالية.
كما يمكن لإيران نشر ألغام عائمة تنجرف مع التيارات والرياح. وتُعد هذه الألغام غير قابلة للتحكم بطبيعتها، وتشكل خطرًا على جميع السفن، بما في ذلك سفن الدولة التي قامت بزرعها.
ومن ناحية أخرى، تملك إيران عدة خيارات لنشر الألغام البحرية، بما في ذلك استخدام مئات، إن لم يكن آلاف، القوارب. كما يمكن للغواصات تنفيذ هذه المهمة، وتُعد الغواصات الصغيرة من فئة "غدير" (Ghadir-class) ملائمة بشكل خاص لزرع الألغام نظرًا لقدرتها على العمل في أعماق ضحلة تصل إلى 30 مترًا.
ومن المرجح أن يتم نشر الألغام المقيدة باستخدام القوارب في المياه التي يتجاوز عمقها 40 مترًا، في حين يمكن زرع ألغام القاع ذات التأثير باستخدام الغواصات الصغيرة أو السفن السطحية في المداخل الضحلة للموانئ والمرافئ.
أما الألغام العائمة، فيمكن نشرها بواسطة سفن سطحية صغيرة أو حتى من الشاطئ. وبمجرد وجودها في المياه، تحملها التيارات، ما يزيد من المخاطر على السفن الصديقة والمحايدة، ويجعل موقعها النهائي غير قابل للتنبؤ في كثير من الأحيان.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







