يشهد الذكاء الاصطناعي تسارعًا ملحوظًا في دفع عجلة الابتكار في الأنظمة البحرية، إلا أن قيمته الحقيقية تعتمد على وجود حوكمة هندسية قوية، وبيانات منظمة، وإجراءات عمل واضحة، وفقًا لما كتبه Tobias Huuva، مدير الهندسة في شركة Berg Propulsion.
وكما هو الحال في مختلف التخصصات الهندسية، يجد المهندسون العاملون في مجال أنظمة الدفع البحري أن تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أصبحت أدوات متزايدة الأهمية في تعزيز الإنتاجية وتحقيق الاتساق في التوثيق الفني، فضلًا عن دعم اتخاذ القرارات القائمة على البيانات على امتداد دورة حياة الأنظمة. غير أن فعالية هذه الأدوات تبقى مرتبطة باستخدامها ضمن أهداف هندسية واضحة ومحددة.
ويعود ذلك إلى أن العامل الأساسي الذي يمكّن الاستفادة من هذه التقنيات لا يتمثل في الخوارزميات ذاتها، بل في وجود بيانات منظمة بشكل جيد، ومسارات عمل واضحة، ومهندسين ذوي خبرة يدركون طبيعة المشكلات والأدوات المستخدمة لمعالجتها. وفي شركة Berg Propulsion، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مكملة للممارسات الهندسية الراسخة وليس بديلًا عنها.
ولا تزال الأساليب الهندسية التقليدية تشكل الركيزة الأساسية لتصميم أنظمة الدفع البحري. إذ يتحمل المهندسون ذوو الخبرة المسؤولية النهائية عن اتخاذ القرارات، بينما تظل خبراتهم وأحكامهم المهنية عنصرًا لا غنى عنه. ويتطلب تطوير أنظمة الدفع البحري تعاونًا بين عدة تخصصات تشمل الديناميكا المائية، والتصميم الميكانيكي، والتكامل الكهربائي، وعمليات التحقق والتجارب البحرية.
كما يتطلب تصميم الرفاص البحري وحده تحليل خصائص السفينة وأنماط تشغيلها، وإجراء عمليات محاكاة واختبارات نماذج، وهي عمليات تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين.
دعم سير العمل الهندسي
أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي الحالية ناضجة بما يكفي لدعم هذه العمليات من دون التأثير على سيرها الطبيعي. وعند استخدامها بالشكل الصحيح، يمكنها المساهمة في تخفيف الاختناقات التشغيلية، لا سيما في الحالات التي تتطلب معالجة كميات كبيرة من البيانات خلال فترات زمنية قصيرة. ومع ذلك، يبقى من الضروري أن يقوم المهندسون بمراجعة جميع النتائج المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتحقق من صحتها.
وتستند قدرة شركة Berg Propulsion على الاستفادة القصوى من هذه الأدوات إلى خبرتها الطويلة في مجالي الديناميكا المائية وتقنيات الدفع البحري، والتي تشمل حلولًا متنوعة تبدأ من الرفاصات ذات الخطوة المتغيرة وتمتد إلى أنظمة الدفع المتكاملة.
وتفرض العديد من التطبيقات التي تعمل عليها الشركة، مثل قوارب القطر، متطلبات أداء عالية ومتعددة الأبعاد. فهناك حاجة إلى تحقيق التوازن بين قوة السحب، وسرعة الاستجابة للدفع، والدقة في التحكم عند السرعات المنخفضة، وكفاءة استهلاك الطاقة.
ويساعد الذكاء الاصطناعي مهندسي الشركة في التغلب على أعباء العمل الكبيرة والمهام المتكررة المتعلقة بمعالجة البيانات وإعداد الوثائق والبرمجة والتحليل وتقييم التصاميم، مما يتيح لهم تخصيص المزيد من الوقت للتفكير التحليلي واتخاذ القرارات الهندسية المهمة.
استخدام الأدوات المناسبة بالطريقة المناسبة
تخدم أدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة أهدافًا متنوعة، ويمكن استخدامها بصورة منفردة أو ضمن منظومات متكاملة.
فعلى سبيل المثال، تعد نماذج التعلم الآلي مناسبة لتقدير العلاقات بين هندسة الرفاصات البحرية وظروف التشغيل ومؤشرات الأداء مثل الكفاءة وقوة الدفع والتكهف/التجويف cavitation والضوضاء. وبعد تدريب هذه النماذج، يمكنها تقديم توقعات سريعة للأداء تدعم اتخاذ القرارات في المراحل المبكرة من التصميم.
أما النماذج اللغوية الكبيرة، فتبرز فائدتها بشكل خاص في المهام المعتمدة على النصوص، مثل إعداد التقارير ومراجعة الوثائق وضمان توحيد المصطلحات. وغالبًا ما تستنزف هذه المهام جزءًا كبيرًا من وقت المهندسين، مما يجعل أتمتتها وسيلة فعالة لإتاحة المزيد من الوقت للتحليل واتخاذ القرارات.
وتعمل شركة Berg Propulsion كذلك على تطوير حلول قائمة على الوكلاء الأذكياء تجمع بين النماذج اللغوية الكبيرة وإمكانية الوصول المنضبط إلى البيانات الداخلية. وتتيح هذه الأنظمة استرجاع القوالب المعتمدة وبيانات المشاريع السابقة والمعلومات الفنية، مع الالتزام الكامل بقواعد الحوكمة. كما يمكنها الإجابة عن الاستفسارات الفنية الداخلية، ودعم تفسير المتطلبات التنظيمية، والمساعدة في إعداد وثائق مخصصة للعملاء.
وفي مجال الديناميكا المائية المتقدمة، توفر الشبكات العصبية البيانية إمكانات واعدة، إذ تتيح تمثيل الأشكال الهندسية وسلوكيات التدفق ضمن هياكل مترابطة قادرة على استيعاب العلاقات المكانية المعقدة التي تصعب نمذجتها باستخدام أساليب الانحدار التقليدية. ولا تهدف هذه الأدوات إلى استبدال المحاكاة عالية الدقة، بل إلى تزويد المهندسين برؤى أسرع تدعم عملهم.
كما تقدم نماذج التعلم النشط نهجًا آخر واعدًا لتسريع عمليات تحسين تصميم الرفاصات البحرية. وبدلًا من الاعتماد على خوارزميات محددة مسبقًا وعدد كبير من عمليات المحاكاة كما هو الحال في الأساليب التقليدية، تعتمد هذه النماذج على آليات تكيفية تتحسن بمرور الوقت، مما يساعد المهندسين على استكشاف البدائل التصميمية بكفاءة أكبر وتقليص فترات التطوير.
وتضيف التوائم الرقمية مستوى إضافيًا من القيمة، حيث تجمع بين بيانات المستشعرات والنماذج الرقمية لدعم مراقبة الأداء والكشف المبكر عن الأعطال والصيانة التنبؤية. كما تمكن إعادة دمج البيانات التشغيلية المستمدة من السفن العاملة فعليًا في عمليات التصميم، بما يعزز فهم الأداء ويدعم تطوير المنتجات المستقبلية.
أهمية الحوكمة
مع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن تصبح أكثر اندماجًا في الأعمال الهندسية. وفي مجال الدفع البحري، كما في غيره من المجالات، يمكن لهذه التقنيات أن تعزز الكفاءة والاتساق والاستدامة، مع شرط تطبيقها بطريقة مدروسة ومنضبطة.
وفي المرحلة الأولى، ينبغي استخدام هذه الأدوات في الأدوار الداعمة قبل الاعتماد عليها في المهام المرتبطة باتخاذ القرارات. ولذلك، تظل الحوكمة القوية عنصرًا أساسيًا في جميع مراحل العمل الهندسي، مع ضرورة التحقق من موثوقية البيانات، وتحديد المشكلات بوضوح، وإبقاء الافتراضات شفافة، والتحقق من صحة النتائج بصورة دقيقة.
وفي نهاية المطاف، يمثل الذكاء الاصطناعي إضافة قوية إلى مجموعة الأدوات الهندسية، إلا أن قيمته الحقيقية تعتمد على مدى نجاح دمجه مع المعرفة والخبرة والإجراءات الهندسية القائمة.
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







