تسلّط التوترات الجيوسياسية المتصاعدة حول مضيق هرمز الضوء على قطاع النقل البحري العالمي، مبرزة أحد التحديات الأساسية التي يواجهها. فعلى الرغم من تسارع الجهود لاعتماد وقود أنظف، لا يزال القطاع والاقتصاد العالمي ككل يعتمدان بشكل كبير على أنظمة النفط والغاز التقليدية. وقد أدت الاضطرابات الأخيرة إلى ردود فعل فورية في أسواق الطاقة، ما يؤكد هشاشة أنظمة الوقود البديل مقارنة بالبنية التحتية الراسخة للهيدروكربونات.تعكس هذه الأوضاع الواقع التشغيلي الذي تواجهه شركات النقل البحري.
وفي هذا السياق، علق Rob Mortimer، الرئيس التنفيذي لشركة Fuelre4m التي يقع مقرها في دبي، وهي أحد أكثر المراكز البحرية ومراكز الطاقة نشاطًا في العالم: "في حين يتجه القطاع نحو استخدام وقود بديل مثل الغاز الطبيعي المسال، والميثانول، والأمونيا، فإن الجغرافيا السياسية تتخذ مساراً مختلفاً. وتبرز الأوضاع الحالية مدى هشاشة أنظمة الوقود الناشئ مقارنة بمرونة البنية التحتية الراسخة للنفط والغاز".
وعلى مدى أكثر من قرن، استفادت الهيدروكربونات من سلسلة إمداد عالمية واسعة وموثوقة، ما أتاح للسفن التزود بالوقود في أي مكان حول العالم. في المقابل، لا تزال البنية التحتية للوقود البديل في مراحلها الأولى؛ إذ يقتصر تزويد السفن بالغاز الطبيعي المسال على عدد محدود من الموانئ، ولا يزال إنتاج الميثانول ينحصر في مراكز معينة جغرافيًا، فيما تعتمد الأمونيا الخضراء على أنظمة الطاقة المتجددة والهيدروجين التي لم تصل بعد إلى نطاق صناعي واسع.
ويؤدي هذا التفاوت إلى مخاطر تشغيلية، إذ غالبًا ما تعود السفن القادرة على استخدام الوقود البديل إلى الوقود التقليدي أثناء الاضطرابات، ما يجعل الوقود النظيف خيارًا اختياريًا بدلًا من أن يكون ضرورة أساسية.
التداعيات الاقتصادية والتنظيمية والجيوسياسية
يشير Mortimer أيضًا إلى مفارقة اقتصادية أوسع ضمن أجندة إزالة الكربون. فعلى الرغم من أن خفض الانبعاثات عالميًا يظل هدفًا محوريًا، غالباً ما تنقل الأنظمة الحالية الانبعاثات جغرافيًا بدلًا من القضاء عليها.
إذ يمكن لأسواق الكربون، والاختلافات التنظيمية، والعولمة في التصنيع أن تؤدي إلى تعويض الانبعاثات أو نقل مصادرها بدلًا من خفضها فعليًا.
وفي قطاع النقل البحري، تحقق الأطر التنظيمية استثمارات كبيرة في تقنيات الدفع الجديدة وأنظمة الوقود. غير أن Mortimer يلاحظ أن التحول أصبح يركّز بشكل مفرط على استبدال الوقود بدلًا من تقليل استهلاكه.
وفي هذا الاطار يقول: "يعد استخدام كميات أقل من الوقود أحد أكثر السبل فورية وفعالية من حيث التكلفة لخفض الانبعاثات. فالكفاءة التشغيلية، وتحسين الاحتراق، وتقنيات التحسين يمكن أن تحقق تخفيضات ملموسة اليوم، ومع ذلك لا تحظى إلا بقدر أقل بكثير من الاهتمام على مستوى السياسات".
ونتيجة لذلك، يجد العديد من مالكي السفن أنفسهم يعملون ضمن إطار ما وُصف بـ"اقتصاد مدفوع بالامتثال"، حيث تُوجه رؤوس أموال كبيرة لتلبية المتطلبات التنظيمية بدلًا من إعطاء الأولوية للاستراتيجيات المباشرة لخفض الانبعاثات. كما يزيد البعد الجيوسياسي من تعقيد هذا التحول، إذ لا تزال التوترات العالمية الرئيسية تتمحور حول طرق إمدادات الطاقة، من مضيق هرمز إلى ممرات الغاز الأوروبية والممرات البحرية الناشئة في القطب الشمالي، ما يعزز الأهمية الاستراتيجية المستمرة للهيدروكربونات.
ويخلص Mortimer قائلاً: "يكمن الواقع في أن التحول في مجال الطاقة لا يستبدل النظام القائم حتى الآن، بل يُضاف إليه. وإلى أن يركز الاقتصاد العالمي على تقليل إجمالي استهلاك الطاقة بدلًا من مجرد استبدال أنواع الوقود، ستستمر الأحداث الجيوسياسية في كشف الأنظمة التي تُشغّل العالم فعليًا".
ربان السفينة الآن على قناة واتساب، اضغط هنا.







