يقدّم مجموعة من مجسّمات منحوتة توثّق تاريخ السفن والمراكب عبر مراحل التاريخ المختلفة.. تعالوا نتعرف إلى أعمال الفنان اللبناني غسان بكري.
قدّم المهندس غسان بكري مجموعة من مجسّمات منحوتة توثّق تاريخ السفن والمراكب عبر مراحل التاريخ المختلفة، وذلك في معرض يُقام على هامش مهرجانات 2022 لمدينة البترون الساحلية اللبنانية، مُركّزاً أعماله في المعرض على مراكب صيد متنوّعة محليّة اعتمدها صيادو مدينته الميناء ويسمّونها ب"الفلوكة".
وفي ساحة السيّدة، في أحد أحياء البترون التراثية القديمة، وعلى مقربة من "بيت المغترب" (Diaspora) اصطفت منصّات خشب مغطاة بقماش، ومنوّرة بإضاءة خفيّة، تحمل كل منها مجسّماً لمركب، مع حكاية من حكاياته، وما حمله من أريحيّة الصيادين من عبارات الود والتحابب: :أهلاً بهالطلة أهلاً"، أو "جيتك بالشبك يا سمك"، أو "دقّي يا ربابة، عندي أحلى بابا".
في الافتتاح، حضر وزير الثقافة محمد مرتضى الذي استمع من بكري عن معروضاته، وعمله الدؤوب في توثيق السفن، والمراكب، والزوارق، الذي بات يمتهنه بصورة خاصة ومركّزة، بعد أن وصل إليه بالمصادفة، والتوارث من والده.
وأسّس بكري محترفه الخاص بمجسمات السفن والمراكب سنة 2017، لكنّه بدأ العمل بتصنيع المجسّمات عدة سنوات قبل ذلك، وتناول معرضه في حديث له، ذاكراً أنه "منذ تأسيس محترفي هذه أول مشاركة لي، وآثرت المشاركة بمجسّمات من مدينتي الميناء التي تنتشر صِيَغ مراكبها في كل الموانيء على الشاطىء اللبناني من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، حيث يمكن أن نجد أياً من هذه "الفلوكة"، كما يحب تسميتها.
عن اختياره لهذا الصنف من المراكب، يقول إنه "تقدير لمجتمع الصيادين، فهو مجتمع متكامل، وقائم بحدّ ذاته، خاصة في مدينة الميناء، وهم حاضرون بكثافة فيها، ويتركون بصماتٍ في حياتها، لذلك كان المعرض تقديراً لهم، ولجهودهم وتعبهم".
تشارك بالمعرض قطعة مميزة، ضخمة الحجم نسبياً، وكثيرة التفاصيل، وهي موجودة في شرائط الأفلام المرسومة، وتعدّ تحفة فنيّة بامتياز.
يتحسّس الفنانون من المسّ بأعمالهم الفنيّة المعروضة، خصوصاً اللوحات التشكيليّة، لكنّ بكري، وبسبب اختلاف نوعية عمله، يترك للناس أن يتحسّسوا قِطَعَه، ويتلمّسوها، ويتصوّروا معها، فــــ "من حق المشاهد تلمّس الفن إذا شاء، ومشاهدته عن قرب"، كما يقول.
ويبدي بكري ارتياحه لما وصفه بـــ "الدهشة التي قابل الناس بها المعرض، وتفاعلهم معه"، مما أعطى "معنىً جديداً لهذا الصنف من الأعمال الفنيّة، وأضاف قيمة حسيّة تلامس عواطف المشاهدين"، بنظره، ذلك لأن "الأعمال كانت على صلة بحياتهم، وقد وجدوا فيه إلى جانب الفن، ذكرياتٍ كثيرة، وكثيرون من المشاهدين راحوا يسردون ذكرياتٍ من طفولتهم، ومن تعلّقهم بالمراكب التي كان آباؤهم يستخدمونها في الصيد".
ولفت إلى أن إحدى المشاهِدات طلبت أن يصنع لها نموذجاً من مركب والدها، نظراً لغلاوتها على قلبها، أهدته إياه في عيد الأب، ويعلّق بكري بقوله: "هنا انتقل المجسّم الذي أصنعه، من كونه قطعة تُعْرَض في البيت لغاية الزينة، إلى قطعة تُخَلّد ذكرى أشخاص عزيزين على قلوب المشاهدين، كأشخاص فقدوهم، ورغبوا التعلق بشيء من إرثهم وتاريخهم، فالمجسّم مهما صغر حجمه، يردّهم لذكريات رحلت، ويسترجعونها لدى معاينتهم للمجسم".
حرفة بكري مبتكرة، وَصَلَتْه بنوع من المصادفة عن طريق والده الذي كان عاملاً على ظهر السفن، وفي ختام جولة بحرية له، تعود السفينة إلى مرفأ المدينة، وفي فترة استراحته بانتظار رحلة جديدة، كان يعمل بالنجارة كهواية، وذات يوم، أراد أن يجسم السفينة التي كان على متنها بنصب لها، فحفرها خشباً بيده، مستخدماً ذاكرته، وفطرته لاستخراج الشكل الذي كان ما يزال مرتسماً في مخيلته.
يقول بكري: "صنعها والدي مجسّما صغيراً، لكن من دون مقاييس علميّة مدروسة، وكان يقارب السفينة، ومناسيب قياساتها إلى حدٍّ كبير، ويصنعها بعُدّةٍ بسيطة من شاكوش، وأزميل، ومنشار، وبات بنهاية كل رحلة يحفر مجسّماً صغيراً للسفينة التي كان عليها في رحلته الأخيرة".
عند تقاعده من البحر، اعتمد الوالد مجسّمات البيوت، والفيلّات بناء على طلب الزبائن، ولفت عملُه نظر ابنه غسان بوم كان لم يزل في 11 من عمره، فاستعجل غسّان استكمال دراسته حتى الحصول على الهندسة مما مكّنه من تحديد المقاييس والمناسيب بطريقة علمية، وآثر الاستمرار في حفر السفن، وتجهيزها لتصبح كاملةً، مستنداً على كتب ووثائق دقيقة.
يوضح بكري عمله الذي يقوم به بناء على اختيار الزبون، واهتمامه، وكل سفينة يحفرها تتم بناء على ثقافة، ورغبة الطالب، فــــ "هذا يختار نموذجاً فرعونيّاً، وذلك نموذجاً يونانيّاً، ولديّ شروح، وتفاصيل عن كل السفن الشراعيّة عبر التاريخ".
يتحدث بكري عن انواع الخشب والمعدات ذاكراً إنها "من فضلات الخشب عند التجار، أعيد تجميعها، وأعطيها الشكل الذي أريد من منطلق بيئي، والدّهان يغطي الوصلات الملتصقة، وهو من الألوان العادية، لكن اركّبها على يدي، وبذلك أجمع ورشتَي التصنيع، والحفر بالدهان والبويا من أجل الحصول على النتيجة التي أريد".
في العام 2017، بات محترف غسان بكري توثيقاً علميّاً لعالم السفن منذ بداياته التاريخيّة، وعالماً فنيّاً مبتكراً قلّ نظيره.
المصدر: الميادين






