تحية بحرية
كنا قد انتهينا من وضع اللمسات الأخيرة على هذا العدد وقبيل دخوله مرحلة الطباعة، حدث الحدث الجلل، وصوبت وسائل الإعلام العالمية والإقليمية سهامها على قناة السويس وسفينة الحاويات الضخمة Ever Given البنمية التابعة للخط الملاحي التايواني #Evergreen ، التي جنحت وأغلقت الحركة الملاحية في القناة.
ما حدث ليس أمرا معتادا، فالسفينة العملاقة يصل طولها إلى 400 متر، بعرض 59 متر، وهي ذات حمولة بقدرة 219079 طن حجمي و199489 طن وزني، وهي مبينة في العام 2018 ومصنفة تحت هيئة التصنيف الأمريكية ABS. وتديرها شركة Bernhard Schulte Shipmanagement وقادرة على شحن 20,388 حاوية نمطية، أما هيكلها ومحركاتها مؤمنان من MS&AD Insurance Group اليابانية، أما تأمين الحماية والتعويض فمغطى من UK P&I Club البريطاني وكلاهما في وضع لا يحسد عليه.
من المبكر تحديد العوامل الدقيقة والفعلية المتراكمة التي أدت إلى جنوحها واستعراضها بهذا الشكل صباح يوم الثلاثاء 23 مارس لتقفل ممرا ملاحيا حيويا لأسباب تجارية للمرة الأولى منذ افتتاحه في العام 1869، وتراكم خسائر يومية فادحة، وسفنا منتظرة في البحرين المتوسط والأحمر والموانئ حول العالم.
التصريح الأولي للشركة المالكة أفاد بأن رياحا عاصفة سرعتها 30 عقدة أدت إلى انحراف السفينة عن المسار المحدد ضمن المجرى الملاحي وجنوحها فى القناة.
بغض النظر عن مدى اقتناع العديد من المتخصصين في قطاع النقل البحري بهذا التصريح، يبقى احتمال حدوث انقطاع كهربائي أو خلل أو عطل في نظام توجيه السفينة، ما أدى إلى فقدانها لقدرتها على الملاحة، ومع تأثير الرياح القوي حصل الإنحراف في المسار وحدث ما حدث، والحمدالله انه لا توجد إصابات بشرية أو تلوث بحري أو خسارة في البضائع، وحتى السفينة لاتزال في موقعها دون أي ميل عرضي.
الفيصل هنا هو الصندوق الأسود VDR الذي سجّل المحادثات بين القبطان والمرشد وبين السفينة ومحطة الإرشاد، إضافة إلى تسجيله لبيانات الأجهزة الملاحية والتي تثبت ما حدث فعلا وتحدد الأخطاء مهما كانت صغيرة، وتراكمت لتصبح سلسلة أدت إلى الحادث.
بالطبع علم السفينة هو المسؤول المباشر عن عملية التحقيق، إضافة إلى الدولة المعنية بالحادث وهي مصر، وهو ما طالب به الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية الذي أشار إلى تطلعه لتلقي معلومات التحقيقات الجارية لكى تتمكن المنظمة من التصرف بناء على أي توصيات مستمدة من النتائج، ويعني ذلك تعديلات ومعايير جديدة تحد من إمكانية حصول مثل هذه الحوادث.
وهنا نطرح سؤال حول عدم توسيع عرض القناة في المناطق التي يقل فيها العرض عن طول أكبر السفن التي تمر فيها؟ فعرض الموقع الذي استعرضت به السفينة هو 313 متر وعليه لو كان العرض أكبر لما كانت السفينة عالقة من الجهتين الأمامية والخلفية، وكان بالإمكان تحريرها بشكل أسلم أقله من الجهة الخلفية، ما قد يتيح استكمال عبور السفن بوقت قصير.
قضية أخرى يجب الإستفسار عنها وهي عملية تقييم مخاطر الحوادث في القناة وتحديد سيناريوهات الإستجابة وفق أولوية إمكانية حدوث أي منها، ما يحتم القيام بإجراءات تخفف من أي مخاطر عالية.
عبرت في القناة في العام الماضي 19000 سفينة أي بمعدل 51 سفينة ونصف في اليوم، ويمر حاليا من خلالها حوالي 12% من التجارة الدولية و30% من الحاويات المنقولة بحرا، وهي أرقام تستحق إجراء دراسة للمخاطر المحتملة حتى لو كانت ذي نسبة ضئيلة الحدوث.
نشد على أيدي كل المسؤولين والعاملين في القناة وندعو لهم بالتوفيق في هذه المهمة الشاقة والدقيقة، وما أتمناه هو أن تكون السفينة قد استعادت قدرتها على الإبحار قبل صدور العدد، وكلنا سنكون بانتظار نتائج التحقيقات والدروس المستفادة من هكذا حادث أدرك الجميع من خلاله الأهمية القصوى لشريان بحري عربي نفتخر جميعا به.


