تحية بحرية
يعد الفساد الآفة الأكبر على كوكب الأرض، فهو بمثابة جريمة خطيرة تقوض التنمية الإجتماعية والإقتصادية في جميع المجتمعات. وعادة ما تلصق كلمة الفساد بشخصيات قيادية تتولى مناصب حساسة، فيما يتم تجاهل الأسباب الرئيسية التي أشاعت الفساد، فللفساد العديد من الأوجه.
أحد القطاعات التي لديها باع طويل في هذا المجال هو قطاع النقل البحري، فمختلف شرائح هذا القطاع تعلم وتدرك خبايا الفساد ووسائله، لكن ممارسته تصبح فرضا في بعض المواقع وإلا لن تبحر السفينة من مكانها.
لا يمكن تبرير ذلك بالطبع، لكن تصاعد إتجاهات الفساد في الصناعة البحرية من البعض من إدارات السفن وملاكها، وإدارات الموانئ وسلطاتها، وإدارات أعلام السفن، وهيئات التصنيف، ووسطاء السفن والبضائع، لتكر السبحة وتطال جميع مفاصل النقل البحري وصولا إلى طواقم السفن، أدى إلى إطلاق الشبكة البحرية لمكافحة الفساد Maritime Anti-Corruption Network - MACN في الدنمارك في العام 2012، فما هي هذه الشبكة وهل دورها محوري ونتائجها فاعلة؟
فبهدف مكافحة الفساد، تم تأسيس هذه الشبكة كمبادرة عمل جماعية تقودها الصناعة البحرية للقضاء على الفساد المنتشر فيها وتعزيز التجارة الشاملة. الآن وبعد أن نمت الهيئة لتشمل أكثر من 90 شركة في صناعة النقل البحري، بات أعضاؤها يمثلون نسبة كبيرة من إجمالي الأساطيل العالمية ويلعبون دورا رئيسيا في النقل البحري.
لا شك أن الإقرار بوجود الفساد البحري ووجوب وجود مبادرة عالمية للتوعية حوله هو خطوة أولى في رحلة الألف ميل، بالرغم من اعتقادي أنه حتى لو وصلنا إلى الميل الألف، سيبقى شبح الفساد مخيما فوق رأس القطاع البحري، لكن تقليل نسبته هو أمر حيوي جوهري يساهم في الترويج لصناعة أكثر سلامة وربحية، إضافة إلى كونها محاولة لمعرفة موقف الصناعة حيال الفساد، ومدى اهتمامها بتجارة أكثر استدامة.
إنطلاقا من هذه النقطة، لا بد من اتباع طرق للحد من الفساد في صناعة النقل البحري، أهمها إنشاء المزيد من هيئات مكافحة الفساد، إعتماد نهج عمل جماعي، بذل المزيد من الجهود لتعزيز اﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ، إتخاذ تدابير لضمان خضوع الخدمات البحرية لإجراءات تعزيز الكفاءة، نشر الوعي حول الفساد، وتشجيع الممارسات الهادفة لمنعه.
لكن للأسف أمام كل هذه الإجراءات والمبادرات، يظل الفساد قائما، حيث يتبين ذلك من الشهادات المزورة وقوائم التدقيق والكشف الزائفة والرشوة فيما يتعلق بعمليات التفتيش والسلامة، والتحايل على القانون لتمرير بضائع دون خضوعها للرسوم الضريبية، فحتى الآن، قامت الشبكة بجمع أكثر من 19 ألف تقرير حول الفساد البحري على مستوى العالم، والرقم الفعلي هو أكبر من ذلك بكثير.
بالنهاية، إن عدم استخدام سياسة المحاسبة والرقابة الفعلية سيزيد من تفاقم الفساد البحري خاصة في دول لا تمنح الرواتب التي تجعل موظف ما، ومن أي رتبة كانت، من الإكتفاء والقناعة براتبه ووضعه، لنجده يختلق مصطلحات حديثة تبرر ما يفعل ليمسي ذلك عادة وأمرا طبيعيا.
إلى متى سيبقى الفساد سائدا بهذا الشكل؟ سؤال جوهري ينتظر إجراءات فاعلة على أرض الواقع، تقوم بمحاسبة المفسد والفاسد، في آن معا.
الربان هيثم شعبان
