تحية بحرية
هي قصة لا تتكرر كل يوم أو سنة لكنها تضيء على واقع غريب محزن ومبكي في آن معا، يدفع البحارة حياتهم ثمنا له، فهم يعلمون أنهم امتهنوا نوعا قاسيا من الأعمال في الحياة... أما للممات فحكاية أخرى.
القصة بدأت.. بعد عبور مضيق جبل طارق، متوجهين إلى مرفأ بيروت، أشار الضابط الثاني على متن السفينة لربانها أنه يعاني من صعوبة بالتنفس، فقام الربان بالإتصال عبر الأقمار الصناعية بطبيب مختص أرشده إلى علاج، لاحظ من خلاله الربان أنه ليس الحل المنشود، فاتصل بمالك السفينة واتخذ القرار بتحويل مسار السفينة إلى أقرب ميناء كان في حينها مرفأ عربيا "ربيعيا".
للأسف، لم يستجب لنداء الربان بإرسال حوامة إنقاذ، وطلب منه التوجه إلى ميناء آخر يبعد حوالي ثمانين ميلا بحريا، كان فيها وضع الضابط الثاني يزداد سوءا، والطاقم يحاول من خلال الإسعافات الأولية إنقاذ حياته، وتم الإتصال بسلطات الميناء الثاني التي لم تقدم التعاون المطلوب، أو حتى ترسل طبيبا مختصا أو مركبا ينقل المريض إلى مستشفى، حتى حصل ما حصل.
وبما أن إكرام الميت دفنه، حاول الربان جاهدا وبأي وسيلة إقناع السلطات بضرورة نقل الجثمان إلى البر، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإرساله إلى بلاده، ولكن الموقف الغريب والمستهجن كان عبر الرفض القاطع، الأمر الذي دفع الربان بالصلاة عليه وتكفينه وحفظه في ثلاجة السفينة المخصصة للّحوم والخضار، وغادر متوجها بالسفينة إلى مرفأ بيروت، حيث تم تسليمه إلى ذويه.
وأمام هذه الفاجعة.. نطرح بعض الأسئلة المنطقية، أولها: لماذا تم رفض مساعدة المريض، ولماذا استمر الرفض بعد وفاته، وما دور سلطات البحث والإنقاذ في هذه الحالة؟ وأين هي؟ وماذا كان رد الفعل لو حصلت هذه الحادثة أمام أي ساحل لبلد أوروبي؟ أسئلة كثيرة!
وعلى المقلب الآخر، هل كان يحمل هذا الضابط المنكوب شهادة طبية سليمة تثبت حالته الصحية والبدنية للعمل في البحر؟ وهل يقوم مالك السفينة بالتأكد من صحة هذا النوع من الشهادات، ومن صحة كل بحار كم خلال فحصه من طبيب معتمد من قبله درءا لأي طارئ؟
نعلم جميعا أن الأعمار بيد الله عز وجل، لكن ماحدث مستهجن ومستنكر، فلا يكفينا منع البحارة من النزول وزيارة الكثير من المدن التي تؤم مرافئها سفنهم وهم أحياء، حتى يمنعوا من دخولها ولمرة واحدة وأخيرة ونادرة وهم أموات، فحسبي الله ونعم الوكيل.

