يمثل القطاع اللوجستي ركيزة أساسية لتطوّر ونهضة الإمارات ودبي، ويسهم بفعالية في تعزيز التنويع الاقتصادي الذي يتسم بالتجدد والاستدامة والتنافسية، حيث يمثل نحو 27% من اقتصاد دبي، وهو ما يحقق رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله الواردة في وثيقة الخمسين الرامية إلى ترسيخ ريادة دبي ودعم دورها الاستراتيجي على خريطة التجارة العالمية، كمحور رئيسي في مجال الربط البحري والجوي والخدمات اللوجستية، والذي يُعد أمراً حيوياً لتعزيز تدفق التجارة الدولية.
جسدت دبي مؤخراً استراتيجية «طريق الحرير» الخاص بها بالإضافة إلى جواز السفر اللوجستي الذي يعد الأول عالمياً والمتخصص في تحفيز وتعزيز قطاع الشحن والتكامل اللوجستي. ويسهم إطلاق هذه الاستراتيجية في تعزيز مكانة دبي محطة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب لبناء منطقة حضارة وتجارة، وبناء منظومة دولية لدعم هذه الطموحات.
وتتمتع دولة الإمارات عموماً ودبي تحديداً بمكانة عالمية مرموقة كمركز للنقل والتوزيع، وتشكل منصة حيوية لخدمات الشحن بشكل عام، وقد أسهم التوسع المتواصل الذي يشهده قطاع الشحن والخدمات اللوجستية في الدولة مع النمو المطرد والتنوّع الاقتصادي المستمر، بالإضافة إلى وجود العديد من مناطق التجارة الحرة بالإمارة في ترسيخ مكانة الدولة ودبي إقليمياً ودولياً.
تحديات
وأمام تلك المعطيات الإيجابية للقطاع اللوجستي ومدى أهميته في الناتج المحلي والاقتصاد الوطني؛ وفي ظل المحفزات الكبيرة التي تطرحها الدولة بين الحين والآخر، تكمن بعض التحديات التي تشكل عبئاً أو هي بمثابة حواجز تحول دون تحقيق المزيد من مؤشرات النمو والازدهار في القطاع، كالمتغيرات والظروف الإقليمية التي تمر بها دول المنطقة، والسياسات الاقتصادية العالمية كحرب الرسوم الجمركية بين الصين والولايات المتحدة، بالإضافة إلى ضبابية المشهد البريطاني في الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، ولعل تلك الظروف الإقليمية والعالمية تلقي بظلالها على مؤشرات الأداء اللوجستي في دولة الإمارات.
وأجمع رؤساء تنفيذيون وخبراء في قطاع الشحن واللوجستيات على أن القطاع يعد عنصراً فاعلاً في نمو الاقتصاد الوطني وازدهاره، وهو يرتفع سنويا في مساهمته بالناتج المحلي الإجمالي، إلا أنه يواجه تحديات محلية وإقليمية وعالمية قد تعيق وتحد من تطوره مستقبلاً إذا ما تكللت الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص للخروج بأفضل الحلول المناسبة تفادياً للعوامل الخارجية.
ظروف خارجية
وقال باسل الدباغ الرئيس التنفيذي لشركة «أجيليتي - أبوظبي»: يواجه القطاع اللوجستي في العالم وليس في الإمارات فقط تحديات كبيرة. وتبرز تلك التحديات عندما تكون تحديات خارجية مفروضة على القطاع. ومن بين هذه التحديات التطورات الجيوسياسية في المنطقة والعالم والحروب التجارية لاسيما بين القطبين العالميين الصيني والأمريكي وقضية «البريكست» التي خلقت حالة من عدم اليقين على المستوى العالمي.
وأضاف الدباغ: لتجاوز هذه التحديات المستمرة التي تواجه التجارة العالمية وحركة البضائع البينية بين الدول تقوم حكومة الإمارات بتبني العديد من المبادرات التي من شأنها أن تذلل هذه العقبات والتحديات، فاعتمدت منذ فترة طويلة منهجية التطوير المستمر للبنية التحتية في الدولة لجذب عدد هائل من الاستثمارات المباشرة إلى المناطق الحرة الموزعة على أنحاء متفرقة من الإمارات، من أجل تحقيق هدفها الطموح المتمثل بالتنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط. وليس ذلك وحسب؛ بل إنها قامت بتبني مبادرات عالمية من أجل تسهيل حركة التجارة البينية وضمان استمرارية تدفق البضائع من وإلى خارج الدولة ومن أبرز هذه المبادرات برنامج «المشغل الاقتصادي المعتمد» و«الجواز اللوجستي» الذي تبنته دبي مؤخراً وهذا من شأنه أن يحقق الكثير من وفورات التشغيل وزيادة في الإيرادات.
وأشار الدباغ إلى أن اعتماد هذه المبادرات يأتي لمعالجة التحديات التي تواجه التجارة العالمية وتدفق البضائع على المستوى المحلي والعالمي، ومن الطبيعي أن تلقي هذه المشكلات العالمية بظلالها على القطاع في الإمارات كونها واحدة من أبرز اللاعبين الإقليميين والعالميين وتشرف على ممرات مائية وطرق برية مهمة.
وتابع الدباغ: من الضروري تحقيق التكامل بين القطاعين العام والخاص من أجل تذليل العقبات والتحديات، فالقطاع العام على سبيل المثال معني بوضع التشريعات وتقديم المحفزات الاقتصادية للقطاع ووضع الخطط على المدى الطويل. كما أنه معني بتسهيل وتبسيط هذه التشريعات وتوحيدها، وبالمقابل ؛ على القطاع الخاص مسؤولية التنفيذ على الأرض والتشغيل وفق هذه التشريعات. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذا التكامل بين القطاعين لن يضع القطاع العام في منافسة مع القطاع الخاص وبالتالي الإضرار بالصناعة والاستثمارات، بل على العكس لأن ذلك سيحقق كفاءة عالية في أداء القطاع.
وعلى مستوى «أجيليتي» قال الدباغ: تلتزم الشركة بالتنسيق المستمر مع حكومة دولة الإمارات وهي معنية تماما بالدرجة الأولى، من منطلق أنها أكبر شركة لوجستية تعمل في الأسواق الناشئة، بتطوير القطاع والمساهمة بكل طاقتها بتحقيق هذا التكامل من خلال تبني ودعم المبادرات الحكومية الرامية في نهاية المطاف إلى تعزيز موقع الدولة كمركز لوجستي إقليمي وعالمي.
تعاون مثمر
وقال طارق هنيدي، نائب رئيس العمليات لدى «فيديكس إكسبريس» - الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: على المستوى التنظيمي، من الممكن أن تؤدي زيادة الانسجام والوضوح في المبادئ والسياسات التجارية إلى تحقيق درجة أعلى من السرعة والشفافية عبر العمليات المختلفة. الأمر الذي يمكن تحقيقه من خلال التطوير الرقمي وتوحيد السياسات التجارية السائدة في الإمارات والمنطقة ككل.
وأضاف هنيدي: سوف تساهم البنية التحتية التي تم إعدادها لهذا الغرض بالإضافة إلى الاعتماد على التكنولوجيا المتكاملة في الحصول على تجارة سلسة عبر الحدود. حيث تدفع الاستراتيجيات الوطنية مثل «طريق حرير دبي» الاستثمارات المستهدفة باتجاه تطوير البنية التحتية اللازمة لتعزيز التكامل اللوجستي، إلى جانب ضمان الاستمرارية والتنافسية في التجارة بين دول مجلس التعاون الخليجي.
وعن الحلول التي يقترحها هنيدي لتكون بمثابة محفزات مهمة للقطاع اللوجستي، قال: يمكن لتبسيط العمليات واللوائح الجمركية أن يساهم في توفير المزيد من الفرص التجارية عبر الحدود للعملاء والشركات في دولة الإمارات. حيث ينبغي على قطاع الخدمات اللوجستية توفير الخدمات التي بوسعها أن توفر حركة أسرع للتجارة مع قدر أكبر من الشفافية، خاصة مع النمو غير المسبوق للتجارة الإلكترونية. فعلى سبيل المثال، تقدم «وثائق التجارة الإلكترونية» لعملاء «FedEx» الدعم اللازم لإدارة المستندات الجمركية الخاصة بهم بصورة إلكترونية لتسريع عمليات تصفية الحسابات، حيث توفر لهم لوائح جمركية حديثة ومتناسقة وموحدة في جميع نقاط الدخول، الأمر الذي يعود بالنفع في النهاية على العملاء والاقتصاد على حدٍ سواء.
وتابع هنيدي: تكمن فرص النمو في التخصيص عالي المستوى بالإضافة إلى توفير حلول محددة وقابلة للتطوير بالنسبة للعملاء. وعلى سبيل المثال، توفر الشركة مجموعة من الحلول المخصصة لسلسلة التبريد بهدف تلبية احتياجات القطاع، مثل المستحضرات الصيدلانية والقابلة للتلف.
وفي ظل التغيير الكبير الذي يحدثه التقدم التكنولوجي في قطاع الخدمات اللوجستية، يتوجب العمل على تلبية النقص في المهارات من خلال الاعتماد على الاستراتيجيات التي تهتم بالإنسان أولاً، إلى جانب استخدام تقنيات مثل الروبوتات التي تساهم في تحسين مهارات أعضاء الفريق وتدريبهم على الاستفادة من هذه المنصات لصالحهم.
وأوضح هنيدي: يستمر قطاع الخدمات اللوجستية في تقديم نفسه كمحرك رئيسي للقطاعات غير النفطية، ومن المتوقع أن يساهم بنسبة 8% في الاقتصاد الإماراتي بحلول عام 2021. ويتوجب على القطاعين العام والخاص التعاون على المستوى التنظيمي ومستوى المستخدم النهائي لتسهيل اعتماد أفضل الممارسات التي تضمن قدرة وملاءمة البنية التحتية للخدمات اللوجستية لتبسيط التجارة وجذب الاستثمارات وتمكين نمو الأعمال.
حلول رقمية
قال برهان بن مينا، الرئيس التنفيذي ل«شيبا» التابعة لأجليتي: إن عدة تحديات قد تواجه القطاع اللوجستي والشحن بشكل عام في الدولة، أهمها: خدمات التوصيل للميل الأخير. ويتمثل التحدي الأول الذي يواجه التوصيل للميل الأخير في أن طريقة الدفع عند التسليم لا تزال هي الطريقة المفضلة للدفع عند المستهلكين في الإمارات، وهي من أهم التحديات التي تواجه الصناعة لصعوبة إدارتها وعدم فعاليتها. غير أن هذه النقطة بالذات تشكل مصدر قوة بالنسبة للمنصة الإلكترونية، حيث أن تسهيل الدفع عند الاستلام كان من الأولويات التي قام عليها تصميم النظام الأساسي والخدمي الخاص بالشركة، لأنه محور مهم ولا يجب أن يكون قضية هامشية.
وأضاف ابن مينا: هناك تحد يتمثل في تحديد مواقع التسليم للعملاء، ويظهر هذا التحدي كانعكاس تلقائي على الطبيعة غير الدقيقة لنظام العناوين البريدية. وقد تكون هذه مشكلة كبيرة لبعض التجار، إذا لم يتمكنوا من تسليم الشحنات للعملاء بسرعة وفي الوقت المحدد. وتابع ابن مينا: هناك شركات مثل «شيبا» تناولت هذه المشكلة مبكراً، ولمعالجة هذا التحدي قامت الشركة بتصميم محول موقع جغرافي تلقائي مدمج في برامجها. يمكّن هذا الحل عاملي التسليم لديها من العثور بسرعة وبسهولة على موقع تسليم العميل. وهو يحسن من تجربة العملاء ويقلل من فرص رفض الاستلام والمرتجعات للتجار الذين تخدمهم الشركة.
وفعلياً يتوجب على أي شركة ترغب في تقديم مرونة تامة في التسليم، وتوسيع تجربة العملاء حتى آخر ميل، أن تعالج هذا التحدي لأن ذلك من شانه أن يغير الطريقة التي يتم فيها تنفيذ عمليات التسليم للعملاء على أكمل وجه.
وعن مبدأ تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، قال ابن مينا: القطاع العام في وضع يسمح له برفع المعايير في الصناعات اللوجستية والنقل والتوصيل، وضمان حماية العملاء وتسهيل ازدهار القطاع الخاص.
وغالباً ما تكون البنية التحتية عقبة أمام الخدمات اللوجستية خاصة تلك المعنية بخدمات التوصيل للميل الأخير.
وإن فتح سبل حديثة ودمج أفكار جديدة يساعد على إطلاق نوع جديد من التجارة والمساهمة في نمو الاقتصاد الوطني. ويمثل القطاع الخاص قوة دافعة وراء الابتكار والاستثمار حيث من الضروري جداً التعاون الحكومي مع القطاع الخاص لتسهيل وتنفيذ تلك المبادرات على نطاق واسع، كما يتوجب وجود تفويض وتقسيم واضح للمسؤولية بين القطاعين العام والخاص لتجنب الدخول في النزاع كما هو الحال في بعض الحالات التي يلعب فيها القطاع العام والهيئة التنظيمية دور المشغل.
نمو قوي
حققت الإمارات إنجازات كبيرة في مجال الأداء اللوجستي الذي يعد بمثابة الرافعة الداعمة لقطاع النقل والتخزين خلال السنوات القليلة الماضية، الأمر الذي أسهم في زيادة تنافسية الدولة وتواصل ترقيتها ضمن المؤشرات الدولية المتخصصة، ومع استمرار نشاط القطاع من المنتظر ارتفاع نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 8% بحلول العام 2021، علماً أن قيمة إنتاجه وصلت إلى نحو 220 مليار درهم خلال العام الماضي 2018 وذلك بحسب ما توثقه الأرقام الصادرة عن الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء.
وتكتسب الإمارات ميزة استراتيجية وذلك بدعم من موقعها الجغرافي الذي مكن مليارات البشر من الوصول لها في غضون ساعات قليلة من خلال عشرات الموانئ المنتشرة في الدولة، فهناك 5 مليارات شخص يستطيعون الطيران في غضون 8 ساعات من خلال الرحلات الجوية من دولة الإمارات وهو ما يعزز موقفها لتصدر قطاع الخدمات اللوجستية وتبوؤ المراتب المتقدمة عالمياً.
مراقبة الحدود
تؤكد الدراسات المحلية المتخصصة، ومن ضمنها تلك الصادرة عن وزارة الاقتصاد، تضافر العديد من العناصر لنشاط الأداء اللوجستي في الدولة، ومنها كفاءتها في مراقبة الحدود وعمليات التخليص، وجودة البنية التحتية ذات الصلة بالتجارة والنقل، والتسعير التنافسي ودقة المواعيد، وجودة الخدمات على خريطة هذا النوع من الخدمات، وهي المميزات التي دفعت البنك الدولي، لتصنيف دولة الإمارات كأهم مركز لوجستي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وفي ظل اعتبارها أكثر المراكز الدولية ازدحاماً في مجال حركة الشحن الجوي، فإن المستثمرين في المجالات البحرية، والنقل، واللوجستيات من جميع أنحاء العالم يعتبرون الإمارات ركيزة مهمة لدعم قدرتهم التنافسية ونجاحهم في المنطقة.
المرتبة 11 عالمياً
تقدمت دولة الإمارات إلى المرتبة 11 عالمياً بحسب «تقرير الأداء اللوجستي» الصادر عن البنك الدولي وبذلك تفوقت دولة الإمارات على اقتصادات رائدة مثل هونغ كونغ والولايات المتحدة وسويسرا وهي الرائدة عربياً. وجاءت الإمارات في المركز الخامس عالمياً ضمن مؤشر الشحنات الدولية، وال15 عالمياً على مؤشر الجمارك، وال10 عالمياً بحسب مؤشر البنى التحتية،وال13 عالمياً ضمن مؤشر جودة الكفاءة اللوجستية وتعقب واقتفاء أثر الشحنات والرابعة عالمياً في توقيت الشحنة.
دور القطاع الخاص
يبقى القطاع الخاص في الإمارات تجسيداً لمبدأ الشراكة مع القطاع الحكومي والعام، بمثابة الرافعة الحقيقية وطوق النجاة في ظل تلك المتغيرات الإقليمية والعالمية، على أن تكتمل تلك الشراكة الحقيقية بجملة من الحلول والمقترحات التي يضعها القطاع الخاص في اللوجستيات والشحن لتقليل تأثيرات التحديات المحلية والإقليمية والعالمية على الأداء اللوجستي في الدولة، بل والنهوض به والتكيف معه لتكون نافذة حقيقية نحو تحقيق معدلات نمو أقوى من ذي قبل.
الخليج





