«حكايات من التاريخ البحري» استمدت عبقها وفصولها مما سطره أهل الكويت في الحقبة القديمة منذ نشأة البلاد بمواجهة الصعاب، ومخاطر البحر وأهواله وشظف الحياة القاسية، والغوص على اللؤلؤ بحثا عن لقمة العيش، حيث برع الكويتيون آنذاك وسطروا قصصا خالدة، عبر تاريخهم المملوء بالتضحية والكفاح والبطولة والتلاحم والأصالة.
تلك المشاهد رواها الباحث في تراث الكويت البحري د. يعقوب يوسف الحجي، وكانت محور «حديث الاثنين» الذي أقيم أول من أمس في القاعة المستديرة بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، ضمن فعاليات الموسم الثالث، بحضور عدة شخصيات بينهم علي اليوحة وخليفة الخرافي، وتخلله في البداية عرض مشاهد من حياة البحارة.
تحدث مدير الحوار د. عباس الحداد عن تمتع الباحث الحجي بصفة الباحث الدؤوب الذي نذر نفسه في الدراسات والتوثيق للحياة البحرية في الكويت، وحفظ النشاط البحري معتمدا على المنهج الميداني في الدراسة والمعايشة، حيث عايش الحياة البحرية عن كثب.
ثلاثي متكامل
استهل الباحث الحجي حديثه عن نشأة الكويت منذ ثلاثة قرون وحتى قبل الاستقلال، ودور مؤسسيها الذين أتوها من الصحراء ليستقروا فيها وكانوا أهل البحر، حيث اختاروها وأسسوا هذه البلدة وتعلموا الغوص وبناء السفن وقيادتها، وكانوا أناسا يمتلكون الخبرة البحرية.
وتطرق الحجي إلى الدور الذي لعبه ميناء الكويت، لكونه الأفضل في ساحل شمال شرق الجزيرة العربية، وكان يخدم كل المنطقة، فكان أهل الكويت متكاتفين بين التاجر والبحار (النوخذة) وصانع السفن، وهذا التكامل الثلاثي هو من أعطى الكويت ميزة لتكون «بندر» من شمال شرق الجزيرة العربية في كل حاجياتها التي تحتاجها عن طريق البحر، وكان هناك حاكم عادل متنور يدير تلك البلدة الساحلية وهو الشيخ مبارك الصباح.
صناعة السفن
وذكر الحجي كيفية تفوق الكويتيين كأفضل صناع سفن في الخليج، حيث تفوقوا على عظمة الهند، رغم أن عدد الكويتيين آنذاك لم يتجاوز 50 ألف نسمة، وضرب الحجي مثلا في إبداع الكويتيين وتفوقهم في صناعة السفن عندما حكى عن قيام التاجر البحريني عبدالرحمن الزياني إبان الحرب العالمية الأولى، عندما أراد بناء سفينة للنقل البحري في الهند، بالتالي استعان بصناع سفن من الكويت، بينهم صالح الراشد ومحمد الثويني وكان ذلك في عام 1916.
ولفت إلى ان الكويت تعتبر جزءا من ثقافة غرب المحيط الهندي وليست جزءا من حضارة الشرق الأوسط وتراثه، وكان هناك تكامل اقتصادي وثقافي وتجاري لكون تلك المناطق ساحلية، وذات اتصالات مستمرة وطبيعة مناخ ملائمة، فكانت الهند بالنسبة للكويت كالجوهرة، والعلاقة بينهما وثيقة جدا.
دور المرأة
وتناول الحجي دور المرأة الكويتية آنذاك، والذي كان مبنيا على التضحية، وقال انه عندما سأل المرحوم «النوخذة» عيسى العثمان عن فترة الأشهر الستة في البحر وكيفية بقاء أسرهم طوال تلك الفترة في البلد أجاب قائلا «عندما نترك أهلنا لدينا نساء يقمن بالواجب»، وأشار إلى أن الصدفة لعبت دورا في دخوله مجال البحث في التاريخ البحري، وهو يحمل تخصص العلوم والتكنولوجيا، وتخرج وعمل (حاصل على الماجستير)، وبدأ يتردد على صناع السفن، واكتشف أن هذا هو طريقه، وقام بكثير من الرحلات والتوثيق.
وأضاف أن الغوص أكثر حرفة مارسها أهل البحر، لكنها كانت تتسم بالأهوال والخطورة والصعوبة، وهي متعبة وذات قوانين معينة، فالغوص له نظام خاص ومعقد، وحتى الآن لم يوثق جيدا، و«النوخذة» راشد بن أحمد الرومي ذات يوم مرض عنده شخص، لكنه انتظر حتى يشفى، بينما كان هناك قلة من «النواخذة» القساة على العاملين لديهم، وتحدث عن سالم بوقماز الذي عينته الحكومة نظرا إلى نزاهته وحكمته، كما تحدث عن «نهام» قتلته نهمته وهو جوهر السيد.
موقف البدر
ولفت الحجي إلى براعة نواخذة الكويت وبحارتها، وهذا بشهادة الرحالة ومنهم النوخذة معيوف البدر نجل الشاعر الكبير الراحل حمود الناصر البدر، ويروي أنه في احدى السفرات أراد العبور من ساحل أفريقيا الشرقي إلى بومباي، وكانت هناك باخرة انكليزية ولها مواعيد، وركب معهم كمسافر، وأبلغ البحارة أن الاتجاه غير صحيح، وأبلغوا القبطان الانكليزي الذي أعجب ببراعة البدر، وسلمه شهادة عن الملاحة.
مقاييس «النهمة» كما تطرق الحجي إلى انتحار النوخذة الكويتي محمد بن سلامة لأسباب مجهولة، إلى جانب قيام أحد البحارة بإحراق سفينة، كما تناول الفن البحري الذي يقام على ظهر السفينة من قبل «النهام» وعازف العود، مشيرا إلى أن «النهمة» لا تتطلب صوتا عذبا، فمثلا الفنان الراحل عوض دوخي أراد أن «ينهم» لكنه لم ينجح، والنهمة تحتاج إلى فن وتمثل معاناة البحر، إلى جانب الاعتماد على الفن الزهيري، والنهام عبدالعزيز الدويش كان يلقب بـ«شيخ النهامين» في الكويت ومنطقة الخليج.
زيارة الرحالة
وبين الحجي أن شيم أهل الكويت كانت في التلاحم والترابط والبساطة، ولقد عاش الكويتيون 300 سنة بلا بترول، وكانت الرحالة البريطانية «برايا ستار» تعمل في البصرة وزارت الكويت بالسيارة من دبي وجلست لدى المعتمد البريطاني، وقامت بجولة في الكويت للتعرف على حياة أهل الكويت، وبعد أيام أرسلت مقالة لاحدى المجلات الانكليزية، ودونت فيها العبارة التالية «لقد شاهدت الراحة والابتسامة المرتسمة على محيا أهل الكويت جميعا».
الخرافي: الكويت موقع وأمانة
شهد الحوار عدة مداخلات من الحضور، بينهم خليفة الخرافي، الذي قال إن ميزة الكويت في كيان خصوصيتها عن باقي المنطقة، وموقعها الاستراتيجي بالقرب من البصرة خصوصا في عملية نقل التمور، والتي كانت من أساسيات النشاط البحري، إلى جانب القرب من إيران، وإن تجار الكويت قاموا بشراء أراض في البصرة وكان ذلك يعتبر بعد نظر وذكاء، كما يقال إن التجار الهنود كانوا يستعينون بالبحرية الكويتية لأنهم يشعرون بأمانتهم.
حافظ الشمري





