تمتلك دولة ليبيا حقل الجرف البحري النفطي الذي تديره شركة المبروك للعمليات النفطية، كما تمتلك ايضاً حقل البوري البحري النفطي والذي تديره شركة مليتة للنفط والغاز، وكلا الحقلان يقعان في شمال غرب البلاد وضمن المنطقة الاقتصادية لها، ومن جانب آخر فإن جميع الموانئ والمنصات البحرية تخضع لسلطة مصلحة الموانئ الليبية من الجانب السيادي طبقاً للقرار 81 لسنة 2008 بشأن انشاء مصلحة الموانئ والنقل البحري.
يعتبر الخزان العائم سلوق أحد أهم الوحدات البحرية بحقل البوري النفطي وهو عبارة ناقلة نفط خام بدون محركات أكبر الوحدات العائمة في ليبيا على الاطلاق وبطول 348 متراً وعرض 52 متراً وسعة تزيد عن مليون ونصف برميل من النفط الخام، وقد تم بنائه في العام 1973 ثم تم جره الى حقل البوري النفطي خلال العام 1976 وقد خرج عن الخدمة وتم بيعه وإحلاله بالخزان غزة في العام 2017، ولكنه بقي مربوطاً في مكانه حتى أواخر العام 2021، وبكل اسف فعملية فكه وجره بعيداً عن الحقل شهدت حوادث كادت أن تصل إلى كوارث لولا لطف الله.
أما في تفاصيل الحوادث التي صاحبت فك وقطر الخزان فبدأت مع طلب المالك الجديد لشهادة قطر خلال النصف الثاني من العام 2021 من السلطة البحرية المختصة فتم تكليف معاين بحري والذي بدوره عاين الخزان وقام باقتراح خطة لقطر الخزان وأحالها الى الشركة المشغلة للحقل والسلطة البحرية المختصة، ولكن الاخيرة تقاعصت في إصدار شهادة القطر، وعزا السيد رئيس مصلحة الموانئ ذلك بجملة من الاسباب صبت في مجملها في إستحالة جر الخزان الى المياه الاقليمية الليبية ولا الموانئ الليبية مبرراً ذلك بأن طول الخزان أطول من أي رصيف بالموانئ التجارية الليبية، كما أن الخزان يحوي ترسبات بترولية غير قابل للضخ في القاع Sludge والتي تزيد كميتها عن 4000 طن، وفي كل الاحوال تم خلال شهر اكتوبر 2021 أصدار شهادة قطر من قبل مصلحة الموانئ الليبية باعتبارها السلطة البحرية المختصة لقطرالخزان بعيداً عن الموانئ الليبية وعن المياه الاقليمية الليبية، وعلى العكس من ذلك تماماً سمح ميناء الحديد والصلب لمالك الخزان بقطره الي رصيف الحديد والصلب لكن بشرط وحيد وهو موافقة رئيس السلطة البحرية المختصة، ومن هنا بدأ الشد والجذب بين مالك الخزان ورئيس مصلحة الموانئ في أحقية تراكي الخزان بهذا الميناء أو غيره من الموانئ الليبية، ولقد أدى الشد والجذب إلى تعطيل جر الخزان إلى مابعد شهر أكتوبر2021 وهو مايعني قرب دخول فصل الشتاء وتعاقب النوات البحرية على الساحل الليبي بين نوفمبر وابريل.
خلال شهر نوفمبر 2021 أي مع اقتراب دخول فصل الشتاء حدث مالم يكن في الحسبان اثناء عملية فصل الخزان عن نقطة الربط SPM والتي تولتها شركة بحرية معتمدة من قبل الشركة المشغلة لحقل البوري وهي شركة مليتة للنفط والغاز حيث نتج عن هذا العمل فقدان عدد اربع عمال من الجنسية التونسية بالاضافة إلى مفقودين اثنين بالبحر، الامر الذي أدى الى توفق الاعمال مؤقتاً والى حين الانتهاء من التحقيقات الاولية وجمع الاستدلالات عن الحادث، وبمجرد فصل الجسرYoke عن نقطة الربط أصبح متدلياً من مقدم الخزان ولمسافة تزيد عن 20 متراً أسفل خط العوم، الامر الذي جعل من المستحيل تراكيه في أي ميناء هذا من جانب، ومن جانب اخر اصبح قطر الخزان من مؤخره هو الخيار الوحيد بسبب تدلي الجسر من مقدمته، أضف الى ذلك ان الخزان تم قطره بدون وجود أي افراد طاقم على متنه، وفي اثناء عملية القطر خلال شهر ديسمبر 2021 إرتفع البحر واشتدت الرياح فأنقطع سلك القطر الذي يربط القاطرة بالخزان شمال غرب ميناء بنغازي، الامر الذي أدى الى جعل الخزان حر الحركة وخارج السيطرة تماماً، فقامت وعلى الفور السلطة البحرية المختصة بنشرتعميماً أوضحت فيه خطورة الموقف في كامل المنطقة المحيطة بالخزان سلوق، وهذا الأمر حذى برئيس مصلحة الموانئ إلى التمسك بموقفه الرافض لقطر الخزان الى أي من الموانئ الليبية أوحتى المياه الاقليمية الليبية، في الاثناء قام مالك الخزان باستئجار قاطرات وطائرة عمودية وذلك لربط الخزان مجدداً بالقاطرات وهوالامرالذي تم بنجاح وإن استغرق ذلك أياماً وخلال فصل الشتاء.
وسط كل هذه الاحداث المتلاحقة والمتسارعة تدخل النائب العام الليبي وأعتبر أن الخزان سلوق هو سفينة مهملة (Derelict vessel)، وأصدر تعليماته بجر الخزان الى أي ميناء أو رصيف بخليج طبرق والذي يضم ميناء طبرق التجاري ورصيف الحريقة والقاعدة البحرية، وقد تم الاتفاق بين جميع الاطراف المعنية بمشكلة الخزان العائم سلوق بما فيها المالك واللجنة المشكلة من مصلحة الموانئ بالخصوص وبمشاركة آمر القاعدة البحرية طبرق على ربطه الى رصيف القاعدة، وعند وصول الخزان العائم لخليج طبرق تكفل المالك بالتعاقد مع عدد من الشركات الوطنية البحرية والتي قام فنيوها بقص الجسر المتدليYoke ثم جر الخزان بواسطة خمس قاطرات من بينها قاطرة ايطالية الى الرصيف المخصص له في القاعدة والذي تم بسلام يوم الاثنين 17يناير 2022.
إن وجود الخزان بوضعه الحالي في رصيف القاعدة البحرية طبرق وإن كان بشكل مؤقت هو ليس نهاية القصة، لأن وضعه ليس آمناً على الإطلاق وهو ما أكد عليه مدير ميناء طبرق البحري في كتابه الموجه لرئيس مصلحة الموانئ بتاريخ 2 يناير 2022، وفي كل الأحوال فالخزان في وصعه الحالي هو في حاجة إلى وجود قاطرة بالقرب منه وعلى مدار الساعة وبالأخص في الأحوال الجوية السيئة لأن طريقة ربطه بوضعه الحالي خطرة فهو مربوط من مقدمه فقط، وان المساحة المعرضة للريح من بدن الخزان تقدر ب5000 مترمربع، كما أن أبسط تدابير السلامة تقتضي وجود معدات إطفاء حريق، كما أن الصعود للخزان يتم عبر سلم المرشد ولمسافة عمودية تزيد عن 25 متر وهذا بحد ذاته خطير ومخالف لكل التشريعات والاعراف البحرية، دون أن نغفل عن أن الخزان قديم وهو من النوعية ذات البدن الاحادي Single hull وأنه ظل مربوطاً مع نقطة الربط SPM في عرض البحر لسنوات طويلة، وأن أي من عمليات التحويض لم تتم عليه خلال مدة ربطه، وبالتالي فالضرورة تقتضي إجراء معاينة للبدن وقياس نسبة تآكله لتحديد إمكانية حدوث تسرب من عدمها ، وكل هذا قد يؤدي وفي أي لحظة إلى حدوث كارثة بيئية لا تحمد عقباها.
ختاماً وجب التنويه الى نقطة غاية في الاهمية وهي إصرار المالك الجديد للخزان على دخوله إلى المياه الإقليمية الليبية وذلك لاحضار ورشة بحرية وطنية تقوم بقص الجسر الذي أصبح عائقا لعملية الجر، إلا أن طلبه هذا قوبل بالرفض من قبل رئيس مصلحة الموانئ الليبية أكثر من مرة، وفي كل الاحوال أثبتت الشركات البحرية الليبية الخاصة والعامة وفنييها على حد سواء قدرة ومهارة في التعامل مع الخزان وفي طقس شتوي، حيث أنهو وبكل نجاح قص الجسر ثم جر الخزان الى الموقع المربوط فيه الآن برصيف القاعدة البحرية بطبرق.
عطفاً على كل ماتقدم، يمكنني تلخيص الثغرات، وإستقاء بعض العبر والدروس من هذه الحوادث المتسلسلة للخزان سلوق في الاتي:-
1-قصور واضح في عمليات التفتيش البحري والمتابعة من طرف السلطة البحرية الليبية.
2-قصور في التخطيط وعدم الدقة في التنفيذ لعملية الفصل والجر من قبل الشركة البحرية المكلفة بالقطر.
3-غياب أي دور للشركة المشغلة لحقل البحري وهي أيضاً المالك السابق للخزان.
4-الحوادث المتسلسلة بينت غياب كامل لأي خطط أصيلة أوالخطط البديلة للقيام بعمل بحري من المفترض أن يكون روتيني كاد أن يتحول إلى كارثة، وهذا مايفسر إكتفاء جميع الاطراف بردات الفعل منذ لحظة فك الخزان من نقطة الربط والى حين اعادة ربطه برصيف القاعدة البحرية بطبرق، أي أن الاطراف المعنية عالجت الاعراض وتركت أصل المشكلة ولاعذر لأحد منهم في ذلك.
5-كل ماتم ذكره في النقاط السابقة جعل كل من المالك والشركة القائمة بالقطر والسلطة البحرية يكتفون بالمتابعة والإكتفاء فقط بردات الفعل.
6-أثبتت العناصر الفنية البحرية الليبية قدرة وجدارة في أداء الاعمال البحرية بمجرد ماأتيحت لها الفرصة.
7-تدخل النائب العام الليبي كان صائباً وحفظ شيئاً من ماء الوجه للنشاط البحري في ليبيا.
8-من المؤكد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في إختصاصات السلطة البحرية في ليبيا وبالاخص منح الاذونات والتراخيص البحرية وجعلها أوسع وأشمل من ذي قبل.
9-من المؤكد أيضاً أن العمل البحري في ليبيا برمته هو بحاجة لكفاءات وإلى تخطيط وخطط وإلى مبادرين يقومون بالفعل وليس الاكتفاء بردات الفعل.
د. عبدالله ونيس الترهوني

