ترجمة ربان السفينة
حثّ المشاركون في ندوة "الازدهار في العصر الرقمي" التي نظّمتها Inmasrsat على تبنّي نهج تدريجي للتحول الرقمي في القطاع البحري، مع مراعاة إبقاء العنصر البشري ضمن منظومة العمل.
نهج رقمي حذر
يَعِد التحول الرقمي البحري بمكاسب كبيرة لأولئك المستعدين والقادرين على اعتماده، غير أن العديد من شركات النقل البحري التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على العمليات اليدوية لا يمكنها تسريع عملية تبنّي التكنولوجيا المتقدمة. ولضمان تحول رقمي سلس وناجح، ينبغي على الشركات البحرية أن تتبنى أسلوبا مدروسا وتدريجيا يركز على تدريب الطواقم بشكل مناسب، وتحسين التعاون بين الطاقم الموجود على متن السفينة والأفراد المتواجدين على البر، بالإضافة إلى توفير اتصالات عالية الجودة.
كان هذا هو الجوهر الأساسي للرسائل التي نقلتها الندوة الأخيرة بعنوان "الازدهار في العصر الرقمي"، التي نظمتها Inmarsat في 4 يونيو 2025 بالتزامن مع معرض Nor-Shipping في أوسلو، النرويج. وقد اتسمت الجلسة بنبرة تفاؤل مشوبة بالوعي بحجم الطريق الذي لا يزال القطاع البحري بحاجة إلى أن يقطعه لتحقيق أهدافه الرقمية، مع التحذير من مخاطر التسرع في الوصول إليها.
تدريب الكوادر البشرية
في هذا الإطار، قالت Amilia Busby، التي تشغل منصب مهندس ثالث على متن حفارة شبه ذاتية القيادة لشفط الرواسب: "علينا أن نكون حذرين من التسرع، وأن نتخذ الخطوات اللازمة لتجهيز البنية التحتية واتمام عمليات التدريب المرتبطة بالرقمنة".
وأشارت Busby إلى أنها تعلّمت كل ما يخص المحركات خلال فترة تدريبها التي امتدت لثلاث سنوات، لكنها لم تتعلم أي شيئ يختص بموضوع الرقمنة. وأضافت: "أعمل الآن على متن سفينة يمكن تشغيل محركاتها من البرج الملاحي، وأشعر أنني وزملائي كنّا سنستفيد أكثر لو تعلّمنا المعارف والمهارات اللازمة لتحقيق التميز في العصر الرقمي للنقل البحري". وأوضحت أن جزءا كبيرا من تدريبها ركّز على السفن البخارية، وهي نادرة نسبيا في الصناعة البحرية اليوم، وتساءلت: "هل كان ذلك مضيعة للوقت؟ ألم يكن من الأفضل أن نقدّم للبحّارة ما يزودهم بالمعرفة التي يحتاجونها؟".
أتمتة مدروسة
قد يعكس غياب المحتوى التدريبي المناسب استمرار الفجوة بين القرارات المُتخذة على البر والواقع الفعلي الذي يعيشه البحّارة على متن السفن. وفي هذا الإطار، قال القبطان Jorgen Grindevoll، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة SafeNav المتخصصة في تطوير برمجيات الملاحة: "غالبا ما يكون متخذو القرارات متواجدين في المكاتب التابعة لشركات النقل البحري، لكنهم لم يسبق لهم أن تواجدوا فعليا على متن السفن من قبل".
وأوضح القبطان Grindevoll أن المشاريع والأفكار التي تُطرح على البر غالبا ما تتجاهل الواقع الفعلي على متن السفن، مشددا على ضرورة أن تصمّم الشركات البحرية أنظمتها الجديدة بما يضمن إبقاء العنصر البشري مندمجا بشكل سلس ضمن منظومة العمل قبل التوسع التدريجي في مستويات الأتمتة. وأضاف: "حتى أداة بسيطة مثل مؤتمرات الفيديو، إذا دُعِمَت باتصال عالي السرعة، يمكن أن تُحدث فرقا ملموسا في تحسين التعاون بين الطواقم على السفن والأفراد المتواجدين على البر".
ضبط التوقعات
أيّد Richard Buckley، المؤسس والرئيس التنفيذي لمزوّد البرمجيات البحرية 90POE، دعوة Jorgen Grindevoll لاعتماد نهج تدريجي للتحول الرقمي على متن السفن، مؤكدا في الوقت نفسه ضرورة ضبط التوقعات بشأن وتيرة التغيير. وقال: "نحن في قطاع لا يزال يعتمد حتى اليوم بشكل أساسي على تقارير منتصف اليوم التي تُعد يدويا، لذا فإن القول إن هذا القطاع يتبنى التقنيات الرقمية بشكل فعلي حاليا، في رأيي، أمر غير دقيق". ومع ذلك، وصف Buckley نفسه بأنه متفائل بشأن المستقبل بفضل مبادرات الابتكار التي تظهر في جميع أرجاء المجتمع البحري. ولتحقيق أهداف الرقمنة، دعا Buckley القطاع إلى تجاوز مفهوم الفصل بين السفينة والبر، وتبنّي مفهوم المكتب العائم المدعوم باتصال دائم وعالي النطاق الترددي. وأضاف: "علينا أن ننظر إلى العاملين على متن السفن كجزء من القدرات التشغيلية للأسطول، تماما مثل العاملين في المكاتب، وأن نتوقف عن التفريق بين السفينة والبر".
وبشكل عام، عكست تصريحات المتحدثين صورة قطاع يقف عند مفترق طرق بين الطرق التقليدية والاتجاهات الحديثة، حيث يتوزع التقدّم في الرقمنة بشكل غير متوازن.
رقمنة القطاع البحري
من جانبه، أشار Marco Cristoforo Camporeale، نائب الرئيس للاستراتيجية وتطوير الأعمال فيInmarsat Maritime، إلى أن حركة البيانات عبر شبكات Inmarsat تتضاعف تقريبا كل عامين خلال السنوات الأربع إلى الخمس الماضية، مع نمو ملحوظ في نسبة البيانات المخصصة للاستخدامات التجارية. وإذا كان التطور المتزايد لاستخدام البيانات يعبّر عن استعداد عالمي لاعتماد الرقمنة، فإن الأرقام الخاصة بالأسطول العالمي المزود بأنظمة الاتصال تكشف واقعا مختلفا. فبحسب Camporeale، من أصل 169,000 سفينة مسجلة لدى المنظمة البحرية الدولية، لا يتجاوز عدد السفن المزوّدة بأنظمة الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية (VSAT) على متنها 46,000 سفينة، أي أقل من الثلث. كما اعتبر أن النقص في انتشار أنظمة الاتصالات على نطاق واسع لا يزال يشكّل عائقا رئيسيا أمام التحوّل الرقمي في القطاع البحري.
استشهد Camporeale بدراسة أجراها مجلس الملاحة البحرية لدول البلطيق (BIMCO)، موضحا أن قطاع النقل البحري يواجه نقصا يُقدَّر بحوالي 120,000 ضابط بحري، ومع نمو الأسطول العالمي بنسبة واحد بالمائة أو أكثر سنويا، فإن مشكلة نقص الأيدي العاملة تزداد صعوبة. وقال: "يجب أن نجد وسيلة لإنجاز المزيد من المهام بنفس عدد الأفراد، عبر الأتمتة"، لكنه أوضح أن الحل الفوري على المدى القريب يتمثل في الحاجة إلى المزيد من العاملين على متن السفن. ومع ذلك، شدّد على أن غياب الاتصال سيجعل ثلاثة من كل أربعة بحارة يرفضون العمل في السفن.
أهمية الاتصالات البحرية
لتسليط الضوء على أهمية الإنترنت البحري بالنسبة للبحّارة، ليس فقط لحياتهم اليومية في البحر بل ولمستقبلهم المهني أيضا، قالت Amilia Busby: "حصلت سفينتي مؤخرا على شبكةWi-Fi ، ولو لم يكن لدي اتصال إنترنت في رحلتي الأخيرة، لما تمكنت من قراءة البريد الإلكتروني الذي دعاني إلى هذه الفعالية. لذلك، يُعد الاتصال أمرا جوهريا، خاصة لأشخاص مثلي يرغبون في أن يكون لهم دور أكبر في القطاع بدلا من الاكتفاء بالعمل فقط كبحّار".
وفي نهاية النقاش، اتفق المتحدثون على أن القطاع يسير بخطى ثابتة نحو الرقمنة الشاملة، والتي ستقود في النهاية إلى الأتمتة بشكل كامل. ومع ذلك، ما دام الإنسان جزءا من منظومة العمل، فإن التدريب المناسب، وتسهيل التنسيق بين طاقم السفينة والأفراد على البر، وضمان جودة الاتصال بالإنترنت للطاقم سيظلّ أمرا ضروريا.







