يعد «الاقتصاد الأزرق» حسب العديد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين جبهة جديدة للاستثمار في الموارد المائية، بل يعتبر من أهم مواضيع التنمية المستدامة، ويهدف هذا الأخير لإدارة جيدة للموارد المائية وحماية البحار والمحيطات بشكل مستدام للحفاظ عليها من أجل الأجيال الحالية والمستقبلية، كما ويعتبر «الاقتصاد الأزرق» دافعا لتطوير الآليات والإجراءات التي تدعم الأمن الغذائي، والتنمية المستدامة للموارد المائية.
«الاقتصاد الأزرق»، هو المفهوم الذي أنشأه رجل الاقتصاد البلجيكي Gunter Pauli، وهو يتمحور حول فكرة مفادها أن الشركات لابد أن تستخدم كل الموارد المتاحة لها وأن تعمل على زيادة الكفاءة من أجل إنشاء محفظة من المشاريع المترابطة التي تحقق الفائدة لها وللمجتمع.
ويهدف هذا الاقتصاد إلى حماية الموارد المائية، بل ويعد من أهم جبهات التجارة الداخلية والخارجية، حيث يوفر لنا كماً هائلاً من الثروات من خلال الاستثمار في الموارد المائية من جهة، واعتباره بوابة لنقل البضائع والسلع من جهة أخرى، لذلك فهو يقدم للدول سبلا لتعظيم اقتصادياتها بعيداً عن الطاقات الناضبة والتي تعد تهديداً للبيئة واستنزافاً لحقوق الأجيال القادمة.
دراسات ومؤتمرات
حيث ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من الدراسات وعقدت الكثير من المؤتمرات لبحث التحديات والفرص في مجالات عديدة كالسياحة، النقل البحري، التنقيب في البحار، وتربية الأسماك، أو الاستزراع السمكي، باعتبارها أداة جيدة لتسريع النمو الاقتصادي والاستثمار والابتكار في مجالات الأمن الغذائي واستدامة الحياة البحرية، فانعقاد هذه المؤتمرات يعد دليلاً واضحاً على حرص المجتمع الدولي على ضرورة العمل للمحافظة على المحيطات والبحار بالشكل الذي يضمن استدامة مواردها، وبما يكفل المنفعة للأجيال الحالية والقادمة.
ويعمل «الاقتصاد الأزرق» على تحفيز وتطوير السياسات والاستثمار والابتكار في مجال الأمن الغذائي، حيث شهدت عدة دول صناعية تنمية لاقتصادها على نحو كبير من خلال استغلال الموارد البحرية من خلال عمليات الشحن، الصيد التجاري، كما يوفر لها فرصة كبيرة لتعزيز نموها الاقتصادي.
التجربة المغربية
ومن التجارب الناجحة في الاقتصاد الأزرق نجد التجربة المغربية في تطوير قطاع صناعة الأسماك وتعزيز دوره في الاقتصاد بشكل أكبر، والتي شملت رؤية تنموية لهذه الصناعة بحلول سنة 2030، واستعانت الحكومة المغربية في هذه الصناعة بالنموذج الأسترالي عبر تركيز مجالات التكوين والبحث والسلامة الإحيائية، إلى جانب مشاريع التنمية، بغية الرفع من مساهمة الاقتصاد الأزرق.
وتطمح الحكومة المغربية من خلال تبنيها «الاقتصاد الأزرق« إلى رفع منتوجها من الأسماك إلى مليون طن سنويا بحلول عام 2030، كما تسعى إلى زيادة عائدات التصدير لتبلغ نحو 3 مليارات دولار بحلول عام 2020، في الوقت الذي تتوقع فيه منظمة الأغذية والزراعة «Food and Agriculture Organization) «FAO) ارتفاع إنتاج البلاد بنحو 18.2 بالمئة بحلول 2030 ليصل إلى 1.7 مليون طن من الأسماك سنوياً، وهذا من دون شك سيدعم الاقاتصاد المغربي بشكل كبير.
الخبير الاقتصادي James Ellsmoor أكد أنه من المتوقع وعلى الصعيد العالمي أن ينمو «الاقتصاد الأزرق»، بما في ذلك السياحة ومصايد الأسماك والطاقة البحرية المتجددة والتكنولوجيا الحيوية، بمعدل مضاعف عن بقية الاقتصادات بحلول عام 2030، وأوضح James أن «الاقتصاد الأزرق يعد مفتاحاً ليس فقط لصحة بيئتنا، ولكن أيضًا لتسريع النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل ومحاربة الفقر».
ورغبة في الاستثمار في الاقتصاد الأزرق، قام قادة العالم والعلماء بإجراء محادثات استراتيجية حول مستقبل محيطاتنا في المؤتمر الأول للاقتصاد الأزرق المستدام الذي عقد في Nairobi, Kenya في نوفمبر 2018، حضره الآلاف من خبراء المحيط والناشطين لمناقشة كيفية استخدام المحيط بشكل مستدام، والذي يدعو إلى تحسين صحة المحيطات والبحار والبحيرات والأنهار والنظم البيئية التي تدعمها والتي تتعرض لتهديدات وتراجع متزايد في جميع أنحاء العالم، بل واعتبارها أداة من أدوات التنمية الاقتصادية.
تعزيز النمو
وأجاب Madhoushri Chatterjee -رئيس فرع الموارد الطبيعية والترابط التابع لشعبة التنمية المستدامة التابعة لإدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية (UN DESA)- عن سؤال حول كيفية استخدام الاقتصاد الأزرق في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟ بالقول أن: «الاقتصاد الأزرق يسعى إلى تعزيز النمو الاقتصادي، والإدماج الاجتماعي والحفاظ على سبل المعيشة أو تحسينها مع ضمان الاستدامة البيئية في الوقت نفسه، وجميع القضايا جزء لا يتجزأ من خطة عام 2030 والتي تهدف لبناء اقتصاد أزرق، من خلال التركيز على مفهوم الاستدامة».
يقدر صندوق الحياة البرية العالمي «World Wildlife Fund» أنه «إذا كان المحيط بلدًا، فسيكون له سابع أكبر اقتصاد في العالم، نظراً لأن أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم يعتمدون على التنوع البيولوجي في المحيطات والبحار في العالم من أجل معيشتهم، وبالتالي فالاقتصاد الأزرق يعتبر مصدراً للنمو الاقتصادي وليس مجرد وسيلة لحماية البيئة.
في الدول الجزرية الصغيرة مثل Palau و Seychelles تمثل السياحة البحرية أكثر من نصف عائدات التصدير، ويمكن أن تمثل مصايد الأسماك في أي مكان من 10 ٪ إلى 50 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول، كما ويساهم الصيد المستدامة والمقترن بجهود الحفاظ على البيئة أن يضمن استمرارية الموارد الطبيعية الساحلية التي تستخدمها هذه الدول في الوجود لقرون قادمة.
مرحلة حاسمة
صحيفة The Straits Times ذكرت في تقرير أن العالم أصبح في مرحلة حاسمة، وعلى مشارف الدخول في مرحلة «الاقتصاد الأزرق»، والتي سيحتاج فيها المصنعون لإعادة اكتشاف الثروات الطبيعية في كل منطقة، ولا سيما في البحار والمحيطات، التي لم تستغل اقتصادياً بشكل كاف حتى الآن.
ويقول التقرير: «إذا تم استغلال المحيطات والبحار بشكل مستدام، فإنها قد توفر الموارد والثروة ونوعية المعيشة بشكل دائم، فالمحيطات تميز الأرض عن الكواكب المعروفة الأخرى، فهي تساعد على استدامة الحياة».
وحذر التقرير، من خطورة عدم تبني الاقتصاد الأزرق المستدام في أسرع وقت ممكن، وقال: «لقد وصلنا منذ فترة طويلة إلى مرحلة أنه في حال عدم إيلاء الاهتمام للاستدامة في أعمالنا، فإن النظام البيئي للأرض قد يعاني من أضرار لا يمكن إصلاحها، ما قد يعيق قدرة الأجيال المقبلة على الحفاظ على مستويات المعيشة الحالية».
ويقدر الصندوق العالمي للطبيعة أصول المحيطات العالمية، بأكثر من 24 تريليون دولار، مع إضافة قيمة سنوية 2.5 تريليون دولار، لتعتبر سابع أكبر اقتصاد عالمي.. فإن تم استغلال المسطحات المائية بشكل أفضل ستكون ومن دون شك مصدراً كبيراً للدخل.
إن الاقتصاد الأزرق مجال واعد للاستثمار مع انخفاض أسعار النفط وتقلبات أسواق المال العالمية وهو مجال يقدم فرصا استثمارية عديدة وهو أحد البدائل المتاحة للدول المصدرة للنفط ويعد بدخل مادي مجزٍ.
تجرية الكويت
الكويت نجحت في دخول عالم «الاقتصاد الأزرق» من خلال الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية التي تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي للأسماك المستهلكة في الدولة في إطار استراتيجية طموحة من خلال تطوير وتوسيع الاستزراع السمكي وإثراء المخزون الطبيعي للأسماك في المياه الإقليمية عبر مشروع الاستزراع السمكي الاقتصادي المدرج بخطة التنمية.
يتوقع أن يسد الاستزراع السمكي حوالي 50 % من العجز في الأسماك الطازجة عام 2025، وهو الهدف الذي تسعى إليه الهيئة.
وكانت المدير العام لمعهد الكويت للأبحاث العلمية الكويتي الدكتورة سميرة السيد عمر، قد أكدت خلال ملتقى «الاستثمار الثاني.. تكنولوجيا استزراع الأحياء المائية في المعهد» الذي أقيم قبل أيام أن المعهد يسخر جميع الإمكانات والموارد لدعم الخطة الاستراتيجية للدولة في التنمية المستدامة بما يتناسب مع متطلبات العصر ودفع عجلة التنمية نحو مزيد من التقدم والازدهار.
ويمكن للكويت الاستفادة أكثر من فكرة «الاقتصاد الأزرق» في تحسين مداخيلها، على غرار الكثير من الدول التي عملت على تنمية اقتصادها الأزرق على نحو كبير عبر استغلال الموارد البحرية من خلال عمليات الشحن، الصيد التجاري، والصناعات النفطية والتعدينية.
المصدر: جريدة القبس
* د. بلقيس دنيازاد عياشي





